شهادة قلم عاصر الانكسار – الحلقة 39 وثيقة النجاة
رمضان محجوب انواء الروح

▪️ حينما تأخر توقيف نجلي عبد الخالق عند الارتكاز الأخير للميليشيا في منطقة “الحديبية”، لم أجد بداً من النزول فوراً من الباص الذي كان يقلنا في رحلتنا الشاقة قاصدين القضارف لاستجلاء الأمر. كانت الأجواء خانقة، والتوتر في أعلى درجاته، والترقب المشوب بالخوف والوجل يسيطر على الركاب كافة طوال دقائق التفتيش المنهكة.
▪️ ودون إيقاف أو حذر مني، دلفتُ مباشرة إلى داخل عريشة الميليشيا، المسماة مجازاً بـ “المكتب”، فوجدتُ عبد الخالق يجلس وسط خمسة من عناصر الميليشيا، حيث كانوا يوجهون إليه أسئلة تجريمية مكثفة، وتُكال له الاتهامات الجاهزة بالانتماء لاستخبارات الجيش؛ وهي الأوهام نفسها التي أضحت الميليشيا ترمي بها كل مواطن مدني يقع في طريقها.
▪️ ولم يصدق عناصر الارتكاز أنه طالب جامعي، وحتى تخصصه في مجال الجيولوجيا بكلية البترول التابعة لجامعة بحري أنكروه عليه تماماً لجهلهم الفاضح بكنه هذا التخصص الأكاديمي، حيث وجدتم يجادلونه بظلم ويشككون في وثائق هويته الشخصية التي يحملها بين يديه.
▪️ وحين دخلتُ عليهم تلك العريشة، تفاجأوا باقتحامي لجلستهم، وسألوني بنبرة غليظة مستغربين: “يا عمك.. داير شنو؟”، فأجبتهم بكل ثقة وثبات ودون أي تردد: “داير ولدي!”. ثم التفتُّ مباشرة إلى كبيرهم، ويبدو من هيئته وطريقة حركته أنه حكمدار الارتكاز المسؤول عن الموقع، فنظر إلي بحدة ثم قال لي بلكنة مكسرة: “تعال أنت ذاتك شغال شنو؟”. لم أفكر في تلك اللحظة الحرجة بمهنتي ولا بعواقب ذكرها أمامهم، إذ كان همي الأوحد وقتها أن يتم إطلاق سراح عبد الخالق، فأجبتهم بسرعة: “أنا صحفي!”.
▪️ في تلك الثانية تبدل الموقف تماماً؛ إذ توقف الجميع عن الحركة بقيادة حكمدارهم واتجهوا بأنظارهم نحوي، وتعلقت أبصارهم بي في صمت غريب، ثم فاجأني الحكمدار بقوله: “أنت ذاتك البنفتش عليه!”. ساد الصمت المطبق برهة، وشعرتُ حينها بأن عبد الخالق كاد أن ينهض من جلسته ليقول لهم إن أبي يكذب وهو ليس بصحفي، خوفاً عليَّ منهم ومن بطشهم، لكني سارعت بطمأنته بنظرة باسمة منحت قلبه السكينة.
▪️ ترك حكمدار الميليشيا نجلي عبد الخالق جانباً، وظل يوجه إليَّ أسئلته الممجوجة والتجريمية عن علاقة الصحفيين بالاستخبارات والفلول، قبل أن يطلب مني إبراز بطاقتي الصحفية، وما إن قرأ بياناتها حتى بدأت نبرته الجافة تجاهي تخف وتتراجع، إذ يبدو أن لديه نصيباً من العلم يجعله يدرك شيئاً من أهمية الصحافة ودورها المجتمعي.
▪️ ودار بيننا حوار حول الحرب ودور الإعلام، ووجدتُ منه تفهماً لموقفنا المدني، إلا أنه كان متشدداً في اتهامه بأن الإعلام لا ينقل الوضع الميداني كما هو لـ “الأشاوس”، وطلب مني علناً أن أنقل عبر الإعلام وضع ارتكازاتهم البائس التي تقتات على هبات العابرين؛ فأجبتهم بالوعد كذباً مكرهاً. أمر الحكمدار أخيراً بإطلاق سراح عبد الخالق، صعدنا بعدها إلى الباص وسط ذهول أفراد أسرتي المفرح، وعدم تصديقهم بأنني نجحت في تحريره من قبضة آخر ارتكاز للميليشيا.
▪️ تحرك الباص شرقاً قاصداً سهل البطانة، وهي المنطقة التي تُسمى في العرف الميداني بالمنطقة “المحايدة”، حيث لا وجود فيها للقوات المسلحة ولا لميليشيا الدعم السريع، مما جعلها مساحة مفتوحة على الاحتمالات والمخاطر كافة. وأضحى الباص ينهب سهل البطانة عبر امتداد مشروع الرهد الزراعي في رحلته الشاقة إلى منطقة “أبو حريرة” عند تخوم الفاو، والتي تبلغ مسافتها نحو 150 كيلومتراً. هذه المساحة على طولها كان يرتادها “الشفشافة” وعصابات النهب المسلح نتيجة السيولة الأمنية التي تعيشها المنطقة بسبب حياديتها؛ فهؤلاء كانوا أكثر رعباً وخطراً على المواطنين من ميليشيا الدعم السريع.
▪️ وبينما كان الباص يمضي في رحلته المنهكة، حدث ما لم يكن في الحسبان؛ إذ وحل تماماً في طين البطانة بسبب أمطار الخريف، ولم تفلح كل المحاولات المستميتة التي بذلها السائق والركاب في إخراجه من وحله. كنا تقريباً في منتصف المسافة، والشمس حينها تؤذن بالغياب وقد اقتربت الساعة من السادسة مساءً، فبدأ الخوف يتسرب إلى النفوس، لا سيما النساء والأطفال الذين يشكلون ثلثي عدد الركاب، خاصة وأن المنطقة مليئة بالثعابين والعقارب.
▪️ لمحتُ “ود بوش” متعهد الباص وهو حائر في أمره، ومعه سائق الباص “الشاذلي” لا يدريان سبيلاً للخروج من هذه المعضلة بعد أن تبين أن العطب هو “احتراق طارة الكلتش”، مما يتوجب إحضارها من منطقة “أبو حريرة” التي تبعد عنا بحوالي 80 كيلومتراً. تنحيتُ بجانب “ود بوش” واقترحتُ عليه نقل النساء والأطفال إلى أقرب الكنابي لاستحالة إصلاح العطل بقية اليوم، فاستحسن الفكرة ومعه السائق، وطلبا مني عرضها على الركاب، فشرحت لهم طبيعة العطل ووافقت المجموعات، وتبقت المعضلة الكبرى في كيفية الترحيل وسط هذا الخلاء القطوع من شبكات الاتصال.
▪️ تصادف حينها مرور تراكتور زراعي بمقطورة قادم من “أبو حريرة” في طريقه إلى أحد المشاريع، فأوقفناه وعرضنا عليه الأزمة مقترحين نقل النساء والأطفال عبره، فوافق سائق التراكتور بشهامة أهل البطانة الأصيلة. تم نقل النساء والأطفال إلى المقطورة الضيقة ومعهن نحو أربعة رجال من أصحاب الأمراض المزمنة، وتبقت مشكلة الربط والاتصال بين المغادرين وبين من سيمكث بالباص من رجال وشباب في ظل انعدام التغطية؛ فاقترحتُ مرة أخرى على “ود بوش” أن أتولى أنا هذه المهمة، فأتوجّه معهم لأطمئن على موقع مبيتهم في ذاك الليل البهيم، ثم أعود في الصباح الباكر إلى البقية في الباص لإبلاغهم، حتى إذا ما تم الإصلاح عدنا واصطحبناهم.
▪️ مرت نحو ساعتين والتراكتور يمخر عباب سهل البطانة، والنساء والأطفال فيه وقوف، حيث كان نحو 35 شخصاً يزدحمون داخل مساحة المقطورة الضيقة التي لا تتجاوز المترين في ثلاثة أمتار. ساد صمت ثقيل خيمت عليه نظرات القلق الحبيس في عيون الأمهات اللائي فارقن رجالهن في عتمة الصحراء، وقُطعت تلك المسافة الطويلة وسط العتمة ولم يظهر أي أثر لأي من الكنابي الموعودة، وأثناء عبورنا بأحد التقاطعات مر بنا “دفار” متجهاً من الشمال إلى الجنوب فاستوقفناه على الفور.
▪️ وبعد السلام والاستفسار من سائقه، شرحتُ له تفاصيل المأزق وأننا بصدد إنزال العوائل بأقرب كمبو للمبيت. كان السائق الشاب يحمل كل ملامح النبل والشهامة السودانية، فلامني بنبرة حارة على تفكيري في إنزالهم بالكنابي، وأعلمني بأن “القرية 36 الفاو” لا تبعد كثيراً من هذا الموضع (حوالي 10 كيلومترات فقط)، وأن كنابي المشاريع المفتوحة غير صالحة إطلاقاً لمبيت النساء والأطفال في مثل هذه الظروف، مقترحاً أن نتجه مباشرة إلى القرية للمكوث فيها حتى الصباح.
▪️ استحسنتُ الفكرة تماماً، لكني طلبتُ منه أن يأخذ معه النساء والأطفال وبرفقتهم ثلاثة من الرجال، أما أنا فسأترجل هنا؛ لأعود مع شروق الشمس إلى بقية الرجال المحبوسين عند الباص لإخطارهم بالوجهة الجديدة لعدم وجود شبكات اتصال، ومن ثم نتحرك بالباص بعد صيانته لنقل الأسر من القرية. ودعني السائق الشاب الشهم بعد أن أعطاني عنواناً دقيقاً للسؤال عنهم، مبيناً أنه سينزلهم في أشهر حوش بالمنطقة، وهو “حوش أولاد سعد”.
▪️ اطمأننتُ على مغادرتهم وودعتهم فانطلقوا برعاية الله نحو “القرية 36″، بينما انحرفتُ أنا مع سائق التراكتور الذي أصر على مساندتي حتى وصلنا بعد ساعة من السير المنهك إلى أحد الكنابي المجاورة. هناك، استُقبلنا ببشاشة وترحاب حار من رجال “الكمبو”، وتناولنا وجبة عصيدة “بكجيك” كانت دافئة أنستني جوع يوماً كاملاً؛ إذ كنتُ جائعاً لم أتذوق طعاماً منذ الفجر، وخلدتُ بعدها مباشرة في نوم عميق.
نداء إنساني إلى وزيري الداخلية في السودان ومصر الطلاب السودانيون بين مطرقة الحرب وسندان الإجراءات
في زمنٍ أصبحت فيه الحروب تسرق الأوطان من أبنائها، يبقى التعليم هو آخر ما يتمسك به الشباب أ…





