‫الرئيسية‬ مقالات دركات الإقصاء
مقالات - ‫‫‫‏‫6 دقائق مضت‬

دركات الإقصاء

(أرقاويات) ميرغني أرقاوي

[وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}*

لمّا كان إعمار الأرض غاية من غايات الخلق العظمى، جعل الله سنة التدافع وسيلة لترقية الوجود، يُزهق بها الباطل ويحق بها الحق، ولتعمر بذلك الأرض معنىً ومبنىً.

وهذه سنة عامة في الخلق يشهد لها كبار علماء التأريخ الطبيعي، ويؤسس عليها فلاسفة ومفكرون كبار كثيرا من نظرياتهم في مجالات الحياة كآفة.

ولكن رغم سطوع هذه الحقيقة البلجاء، يسلك البلهاء منذ ابن آدم الأول وإلى يومنا هذا مسلكا مغايرا يصادم السنن. فعندما يعجزون عن مدافعة الخصوم بما هو أحسن، يعمدون إلى إقصائهم قتلا او نفيا أو بشل قدراتهم بما بشكل أو بآخر.

*فهذا ابن آدم الأول، عندما فاقه أخوه تقىً، عَمِد إلى طريق الإقصاء، بدلًا من أن يسلك طريق التنافس الشريف في الخير.*

وإخوة يوسف نهجوا النهج الخاطئ ذاته فعمدوا لإقصاء أخيهم قتلا أو نفيا، غافلين عن أن الله هو الذي كتب له القبول، لِمَا علم فيه من خير، فكان ينبغي عليهم المسارعة في الخير ليُقبَلوا عند الله وعند أبيهم، ولكنهم تَقحَّموا الطريق الآثم الوعر،

فما استفاقوا إلا بمطارق الأقدار على رؤوسهم فقالوا ما حكاه المولى عنهم:

*{تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ}*

فكانت العاقبة ليوسف لما اتقى وصبر، فقال الله على لسانه:

*{إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}* وهذه سنة ماضية مطردة إلى يوم الدين: أن يخيب الإقصائيون ويظفر المتقون.

 

ولكن المستكبرين لا يعتبرون فهم في غيهم يعمون مصادمين للسنن الكونية مكذبين بالوعود الإلهية، فهؤلاء أهل مَدْيَن- مثلًا – يحكي المولى سبحانه موقفهم من نبيهم، حيث قال:

*{قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ۚ قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ}* فحاق بهم ما حاق بأشباههم من قبل.

*وعلى آثار هؤلاء سار ركب مستكبري مكة، وقد طلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم منهم مطلبا واحدا عادلا محددا بعبارة موجزة حاسمة*

*■( خلوا بيني وبين الناس)*

فالخيار للناس، فهم سادة أنفسهم، إما أن يقبلوا أو أن يرفضوا، وليس لأحد – وإن كان نبيا – أن ينصب نفسه وصيا على عباد الله، فلا يريهم إلا مايرى وما يهديهم إلا إلى ما يزعم أنه الرشاد.

 

*ولا يكف المستكبرون في كل زمان عن خيارات ثلاث يطرحونها أمام مخالفيهم، وهي التي حكاها الله سبحانه عن أهل مكة إذ يقول:*

 

*{وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}*

1️⃣فالخيار الأول هو أن يتخلى الخصم عن فكرته ويتوقف عن الدعوة إليها، وذلك مما تدل عليه عبارة: *[لِيُثْبِتُوكَ]*

2️⃣والخيار الثاني الإخراج وهو الإقصاء الحسي البدني وفي معناه الإقصاء السياسي والاجتماعي.

3️⃣والخيار الثالث هو التصفية الجسدية المباشرة عدوانًا أو عبر تصميم قوانين تبيحها أو بافتعال مواقف وألاعيب تتيحها، كما هو دأب الطغاة في كل حين.

*والذين يرتكبون هذه الحماقات يغفلون عن أقدار الله الغلابة وسننة المحيطة بهم ولذلك ذيَّل الله سبحانه الآية الكريمة بقوله:

*{وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}*

فتدبر !!!

‫شاهد أيضًا‬

السودان…حين فقدت الصحافة عرشها وغابت عن صناعة الرأي العام

في مقال الأمس كتبنا عن زمنٍ أصبحت فيه الأصوات الفردية قادرة على صناعة رأي عام يفوق أحيانًا…