شهادة قلم عاصر الانكسار الحلقة (40)وحل النجاة..!!
رمضان محجوب آنواء الروح

كنت أحفظ “الكنابي” في مخيلتي صورةً نمطيةً مكررة، تماماً كما نراها في مزارع وقرى الجزيرة؛ بيوتاتٌ متقاربة، يجمعها دفء الجيرة وصلة الدم. لكن رحلتي للنجاة من مدني الي القضارف عبر سهل البطانة والمشاريع الممتدة بين الفاو والقضارف، قلبَ لي هذه الصورة رأساً على عقب، ولقنني درساً قاسياً في أنَّ الحياة في تلك الفيافي لها طقوس أخرى، وعمارٌ من نوعٍ مختلف تماماً.
▪ الليلة التي قضيتها في “الكمبوٍ” هناك كانت درساً في العزلة. المكان ليس قريةً بالمفهوم الذي نعرفه، بل هو بضع غرفٍ من طين، تقف وحيدةً وسط بحارٍ من المزارع. غرفةٌ للمعدات، وأخرى للعُمال، وثالثة تظل مشرعةً للغريب والمارّ، كأنها مضافةٌ مجانيةٍ وسط خلاءٍ لا يرحم، تقدم للمسافرين المنهكين ملاذاً وزادا في رحلاتهم علي الطريق الموحش .
▪ فجر الأربعاء، السابع من أغسطس 2024، نهضت من السريرالهمبريب الملقب ب”حسن عدس” والذي استضافني لليلة واحدة خالدة نهضت منه وجسدي مهدود، كأنني حملت جبال البطانة فوق ظهري. فقد كان اليوم الذي سبقه قطعةً من جحيم؛ خرجنا من “طيبة” بالجزيرة، فجرا لنعبر ثلاثين ارتكازاً للمليشيا، تجرعنا فيها من الذل والترهيب ما يكفي، حتى وصلنا مشارف “الحديبة” ونحن نكاد نلفظ أنفاسنا الأخيرة من شدة التوجس والخوف.
▪ خرجت فجراً لأتوضأ والصباح يرسل ضوءه الخافت، أبحث عن ماء. ارشدني احد عمال المشروع إلى “حفيرٍ” قريب من الكومبو ، غرفت منه وتوضأت، وصلينا الفجر في بقعةٍ منسيةٍ من الأرض، ثم انضممنا للعمال حول “لمة” الشاي، في جلسة “ونسة” بسيطة غسلت عن أرواحنا الكثير من غبار الأيام العالقة في صدورنا.
▪ رأيت في هؤلاء الرجال عظمة إنسان البادية، بسجيتهم التي لم تلوثها المدنية. استقبلونا ببشاشةٍ تذيب جليد الغربة ووحشة الطريق وكآبة المنظر ، يقدمون الضيف وكأنه رزقٌ ساقته السماء. لا يرهبون ضيفاً، ولا يبخلون عليه بكرة وملاح، وتجد في أحاديثهم كرماً حاتمياً، يعطونك القليل الذي يملكونه بقلوبٍ رحبةٍ تتحدى قسوة الأرض وضيق ذات اليد.
▪ مع شروق الشمس، سألتهم عن أي وسيلة حركةٍ توصلني لـ “أبو حريرة”؛ حيث يرقد باصنا المنكوب وسط الوحل. اعتذر القوم بأسفٍ حقيقي، موضحين أنَّ أشغالهم الزراعية في الجهة المعاكسة تمنعهم، ولو كان بوسعهم لما تأخروا لحظة، فقد كانت عيونهم تفيض بالصدق والأسف على حالنا.
▪ نصحوني بالانتظار ريثما تمر مركبة، محذرين من بطء السير بسبب أمطار الخريف. لكن القلق على الذين تركتهم امامي في خلاء لا يرحم داخل باص معطوب كان يغلي في صدري. قررت المضي إلى الطريق، شاقاً ذلك الدرب الموحش، مستعيناً بالله ومتوكلاً عليه، تاركاً خلفي دعواتهم التي كانت زادي الوحيد في تلك الرحلة المجهولة.
▪ حاول العمال بكل ما أوتوا من طيبة اثنائي عن عزمي، مذكرين إياي بمسافة الثلاثين كيلومتراً، ووعورة الطريق الذي صار “وحلا” تنذر بمطرٍ غادر. لكنني كنت قد عقدت العزم، وانطلقت أطوي الأرض، لا يثنيني عن الوصول للعالقين عزمٌ ولا خوف، متسلحاً بأملٍ كان يضيء لي عتمة الطريق.
▪ مشيتُ لا ألتفتُ لغبارٍ أو رذاذ مطر، أقتفي أثر التراكتور الذي حملنا ليلاً. بعد عشرين كيلومتراً من السير المضني، تقطع حذائي “الشبشب” فقد نالت منه قسوة الطريق ووعورته… فهو رفيقي الذي شهد مأساتنا منذ احداث الصفوة الاعتقال وتقلبات الايام في الجزيرة – وفي تلك اللحظة الحرجة، دوت في الخلاء أصواتُ محرك تراكتورٍ قادمٍ من خلفي، وكأن السماء قد استجابت لدعوات العمال.
▪ تنفستُ الصعداء، وبعد دقائق توقف السائق،.. فقد كان رجلا شهما سألني بلهفةٍ عن وجهتي. فقصصتُ عليه القصص، فرحّب بي وطلب مني الصعود، مبيناً أن وجهته “أبو حريرة” ذاتها. ركبتُ المقطورة وأنا أحس أنَّ القدر قد ساق هذا الملاك ليُنقذني في لحظة انكسارٍ محققة وسط هذا الفراغ الموحش.
▪ اقتربنا من موقع الباص، ولمحت “ود بوش” و”الشاذلي” يدوران بحيرة واشفاق حول شاحناتٍ ضخمة غاصت اطاراتها في الوحل. كان أصحابها يبحثون عن “لودر” للنجدة… اخبرتهم بما تم من ترحيل للنساء والأطفال الي القرية 35 في حوش اولاد سعد.. صعدا معنا والهموم تقرأ في أعينهما، وحين حاذينا الباص، طلب مني ود بوش بالنزول ليواصلا هما المسير الي ابو حريرة بحثا عن حل لمشكلة الباص القابع بركابه وسط سهل البطانة.. أصررتُ على البقاء معهما رغم دعواتهما لي بالراحة،
▪قبل تحركنا ترجلتُ الي الباص لأطمئن على نجلي الكبير “عبد الخالق” ورفاق الدرب من شباب “طيبة”، فوجدتهم بمعنوياتٍ تعانق السماء. يمازحونني بأنهم يمارسون “ترفيه” الخريف وسط الوحل، ورأيتهم وقد شرعوا في إعداد إفطارهم من “التبش الخلوي” و”الموليتا” بخلطة الدكوةٍ والشطّةٍ اللاذعة والليمون ، مشهدٌ يخبرك أن الإنسان السوداني لا ينكسر.
▪ سألتهم عن مخزونهم الغذائي إن طال الانتظار، فردَّ يوسف عبد الحق الشهير ب “البروف” – ظريف قرية “طيبة المشهور” – ضاحكاً بأعلى صوته: “أبو عديس قااااعد يا أستاذ.. ما تشيل هم!”، مشيراً إلى جوال العدس الذي كان لا يخلو منه باص “ود بوش” أبداً، فضحكنا جميعاً ضحكاً يشبه البكاء، وتأهبنا للانطلاق.
▪ كان السهل الممتد نحو “أبو حريرة” مسرحاً لأوجاعٍ لا تنتهي؛ ففي تلك التسعين كيلومتراً، يتربص الهلاكُ بكل من سلك الطريق. رأينا باصاتٍ ابتلع اطاراتها الوحل حتى غابت، وشاحناتٍ نُهبت، وركاباً قضوا نحبهم إعياء بسب المسيرالطويل أو لدغاً من الأفاعي، روى لنا الصبية الحراسُ مآسيَ عن هاربين من جحيم المليشيا، ظنوا سهل البطانة طوق نجاة، فكان لبعضهم المحطة الأخيرة.
▪ وقبل أن تدركنا الرابعة عصراً، لاح لنا إسفلت “الطريق القومي” الرابط بين الفاو وابو حريرة من بعيد، فتنفسنا الصعداء وكأننا نولد من جديد. أعاد لنا هذا المشهد الأمل بالنجاة، بعد رحلةٍ امتحنت صبرنا في وحل البطانة، وتركت في الذاكرة ندوباً لن تمحوها الأيام، لكننا وصلنا أخيراً، وهذا هو الأهم.
نواصل…
الشركة السودانية لتوزيع الكهرباء المحدودة إعلان تمديد عطاء عام
الشركة السودانية لتوزيع الكهرباء المحدودة إعلان تمديد عطاء عام …





