‫الرئيسية‬ مقالات كيف يقود الإعلام الرقمي معركة الوعي ضد المخدرات في سودان الحرب؟
مقالات - ‫‫‫‏‫19 دقيقة مضت‬

كيف يقود الإعلام الرقمي معركة الوعي ضد المخدرات في سودان الحرب؟

شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com

بينما تتجه أنظار العالم نحو جبهات القتال المشتعلة في السودان، وتُحصى الخسائر في الأرواح والبنى التحتية، ينمو في العتمة ورم خبيث يهدد بالقضاء على ما تبقى من النسيج الاجتماعي السوداني: إنه وباء المخدرات التخليقية والمستحدثة الذي بات يجتاح الولايات المختلفة مستغلاً غياب الدولة احيانا، والسيولة الأمنية، وانهيار المنظومات الاقتصادية والتعليمية جراء الحرب الدائرة منذ أبريل 2023.

في هذه المعركة المعقدة، لم يعد الإعلام مجرد ناقل للأخبار، بل تحولت الصحافة الإلكترونية والمنصات الرقمية إلى “خط الدفاع الأول” وجبهة المقاومة الأساسية لإنقاذ جيل كامل من السقوط في الهاوية.

تشير التقارير الميدانية والصحفية الاستقصائية إلى أن الحرب في السودان لم تكتفِ بتشريد الملايين، بل خلقت بيئة مثالية لشبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود. إن غياب الرقابة على الحدود البرية الشاسعة، وتراجع كفاءة الأجهزة الشرطية، وانهيار النظام القضائي، حوّل بعض الولايات إلى مناطق عبور وتوزيع رئيسية لمواد شديدة الخطورة مثل “الآيس ميث” (الشبو)، والكبتاجون، والترامادول، فضلاً عن انتشار الحشيش التقليدي (البانجو).

الأخطر من ذلك هو استخدام المخدرات كأداة حرب؛ حيث يتم استهداف الشباب والنازحين في مراكز الإيواء الذين يعانون من صدمات نفسية حادة (PTSD) وفقدان للأمل، ليقعوا فريسة سهلة للتجار الذين يسوقون الوهم كـ”مخدر ومسكن للآلام النفسية”. وفي ظل إغلاق الجامعات والمدارس، بات الفراغ القاتل حليفاً ومحفزاً لانتشار هذه الآفة بين الجنسين بمعدلات غير مسبوقة.

أمام هذا التحدي المرعب، تواجه الصحافة الإلكترونية السودانية (رغم التضييق، وانقطاع الاتصالات، واستهداف الصحفيين) مسؤولية تاريخية. لم يعد الخطاب التقليدي الواعظ (“المخدرات تدمر الصحة”) مجدياً مع جيل رقمي محاصر بالأزمات. تبرز هنا القوة الكامنة للإعلام الرقمي عبر مسارات أساسية، ومنها الصحافة الاستقصائية الرقمية، حيث نجحت بعض المنصات السودانية المستقلة في تتبع مسارات تهريب المخدرات عبر الولايات (مثل ولايات البحر الأحمر، كسلا، القضارف، الجزيرة، وخطوط النيل الأبيض)، وكشف الشبكات التي تستغل شاحنات نقل البضائع أو الممرات النهرية لتهريب المواد التخليقية. هذه التحقيقات تدق ناقوس الخطر وتجبر المجتمع المدني على التحرك.

تفكيك الخطاب المضلل، حيث تستخدم الشبكات الإجرامية منصات التواصل الاجتماعي (تيك توك، فيسبوك، تلغرام) لترويج المخدرات تحت مسميات براقة وتسهيل عمليات البيع عبر تطبيقات الدفع الرقمي. وهنا يأتي دور الإعلام الإلكتروني لتفنيد هذه الأكاذيب ونشر الحقائق العلمية حول الأضرار العصبية السريعة والمدمرة لـ”الآيس ميث” الذي يسبب الإدمان من الجرعة الأولى.

ومطلوب أنسنة الأزمة وسرد القصص من خلال التقارير القصصية (Human Interest Stories) المكتوبة والمرئية، ينقل الإعلام الرقمي معاناة الأسر السودانية داخل مراكز الإيواء، وقصص المتعافين، مما يساهم في كسر حاجز الصمت والوصمة الاجتماعية التي تمنع العائلات من التبليغ أو طلب العلاج لحيائها وخوفها من الفضيحة وسط ظروف الحرب المأساوية.

العمل الإعلامي التوعوي في السودان حالياً يشبه السير في حقل ألغام. بالانقطاع المتكرر لشبكات الإنترنت والكهرباء يعوق وصول الرسائل التوعوية في وقتها. كما أن غياب الدعم المالي للمؤسسات الإعلامية المستقلة يحد من قدرتها على إنتاج محتوى احترافي مستدام (مثل الرسوم المتحركة التوعوية، والانفوجرافيك، والفيديوهات القصيرة). بالإضافة إلى ذلك، فإن التهديدات الأمنية التي تواجه الصحفيين الذين يحاولون الاقتراب من معاقل تجارة المخدرات في ولايات النزاع تجعل من العمل الاستقصائي مغامرة محفوفة بالموت.

إن مواجهة “تسونامي المخدرات” في سودان الحرب تتطلب الانتقال الفوري من العمل الإعلامي العفوي إلى استراتيجية رقمية منظمة ومؤسسة. يجب على غرف الأخبار السودانية، والمنظمات الحقوقية، والمبادرات الشبابية، والكوادر الطبية النفسية المتطوعين، تشكيل تحالف رقمي واسع.

الكلمة والصورة والمنشور التفاعلي اليوم هي أسلحة لا تقل أهمية عن بنادق تأمين الحدود؛ فالحرب قد تنتهي باتفاق سياسي أو عسكري، لكن معركة حماية عقول الشباب السوداني وبناء مستقبل البلاد هي معركة مستمرة، والإعلام الرقمي هو القائد المؤهل لتوجيه هذه المعركة نحو بر الأمان.

ثمة مقترح خطة عمل تطبيقية قابلة للتنفيذ على مدى 12 شهراً، تحت اسم: “مبادرة الأمل الرقمية لحماية الشباب السوداني” بهدف بناء جبهة إعلامية رقمية موحدة للحد من انتشار المخدرات التخليقية في 7 ولايات سودانية رئيسية (بتركيز خاص على ولايات النزاع ومراكز الإيواء)، ورفع وعي الشباب بنسبة 40%، وتوفير مسارات رقمية آمنة للدعم النفسي والعلاجي بحلول نهاية العام.

الفئات المباشرة المستهدفة، الشباب والشابات (15 – 30 سنة) في ولايات السودان، والنازحون في مراكز الإيواء، والفئات الغير مباشرة تشمل صناع المحتوى الرقمي، الصحفيون، الأسر السودانية، منظمات المجتمع المدني المحلية والمبادرات الطبية.

محاور العمل والأنشطة التنفيذية تشمل بناء القدرات والتحقيقات الاستقصائية (الشهور 1 – 3) بتنظيم ورش عمل افتراضية (عبر Zoom) لتدريب 30 صحفياً سودانياً من مختلف الولايات على “الصحافة الاستقصائية الرقمية في مناطق النزاع”، بالتركيز على تتبع شبكات المخدرات وأمن البيانات الشخصية، إلى جانب ضرورة إنشاء صندوق تمويل مصغر لإنتاج 6 تحقيقات استقصائية مدعومة بالبيانات (Data Journalism) تكشف طرق تهريب المواد التخليقية وعلاقتها باقتصاد الحرب.

محور الحملات الرقمية وصناعة المحتوى التفاعلي (الشهور 3 – 9)، بإطلاق حملة رقمية موحدة تحت وسم #عقول_تبني_السودان عبر منصات (فيسبوك، تيك توك، تلغرام، وواتساب – لسهولة التداول في ظروف الإنترنت الضعيف)، لإنتاج محتوى بصري مكثف، يحتوي 12 مقطع فيديو قصير (Reels/TikTok) يستعرض الفروقات العصبية بين الإدمان والتعافي بأسلوب علمي مبسط، و24 إنفوجرافيك تعليمي يوضح كيفية التعرف على أعراض تعاطي “الآيس ميث” لم مساعدة الأسر على التدخل المبكر، مع تصميم رسائل صوتية قصيرة (Podcasts) تبث عبر مجموعات الواتساب الولائية للتغلب على ضعف الإنترنت.

محور الشراكات المجتمعية والإرشاد الرقمي (الشهور 6 – 12) بإطلاق بوت (Bot) تفاعلي آمن وسري على تطبيق “تلغرام” يتيح للشباب أو الأسر طلب الاستشارات النفسية وعلاج الإدمان دون الكشف عن هويتهم، بالتعاون مع رابطة الأطباء النفسيين السودانيين، وتفعيل “سفراء الوعي الرقمي” عبر تفعيل الشراكة مع 20 من صناع المحتوى والمؤثرين السودانيين لتبني القضية والتحدث عنها في بث مباشر دوري.

نتوقع المؤشرات القياسية للأداء (KPIs) بإنتاج ونشر 6 تحقيقات استقصائية كبرى، ووصول الحملة الرقمية إلى 3 ملايين مستخدم سوداني عبر المنصات المختلفة، مع تقديم استشارات سرية لـ 5,000 حالة عبر البوت الرقمي وتوجيههم لمراكز العلاج المتاحة أو الدعم عن بُعد، بتدريب وتأهيل 30 صحفياً وإعلامياً داخل الولايات.

المخاطر والبدائل الاستراتيجية، الانقطاع الكامل للإنترنت في بعض الولايات، يتطلب الاعتماد على الـ شبكات المحلية البينية (Bluetooth/Flash Drives) لنقل المحتوى التوعوي عبر المتطوعين في مراكز الإيواء، والتعاون مع الإذاعات المجتمعية (FM) إن وجدت، وخطر الملاحقة الأمنية من شبكات المصالح أو أطراف النزاع، يتطلب ضرورة النشر بأسماء مستعارة وحماية الهويات عبر منصات إعلامية وسيطة خارج السودان.

‫شاهد أيضًا‬

العودة تفتح ملف الاختراق الصهيوني للسودان  المؤامرة العبرية: تفكيك مخطط المخابرات الإسرائيلية ضد الجيش السوداني

بالتوازي مع معارك الميدان المستمرة منذ أبريل 2023 م، فتحت الصحافة العبرية ومنصاتها الأمنية…