ما بين العودة إلى الديار وشدِّ الرحال
د. ميمونة سعيد آدم

لم تكن العودة إلى الوطن يومًا مجرد انتقالٍ من مكان إلى آخر، وإنما هي رحلة تختصر في تفاصيلها معاني الانتماء والوفاء والمسؤولية. وبينما يشدُّ الإنسان رحاله نحو وطنه، تبقى هناك أيادٍ تعمل بصمت، ورجالٌ ونساءٌ آمنوا بأن خدمة الإنسان هي أسمى صور الوطنية، فسخروا وقتهم وجهدهم وإمكاناتهم ليجعلوا من العودة واقعًا ملموسًا، لا أمنيةً مؤجلة.
لقد فرضت الظروف التي مر بها السودان خلال السنوات الماضية واقعًا استثنائيًا دفع الآلاف من أبناء الوطن إلى الإقامة خارج حدوده، وكان من بينهم أساتذة الجامعات والباحثون والعاملون في مؤسسات التعليم العالي، وهم يمثلون ثروةً علميةً وبشريةً لا تُقدَّر بثمن. ومع انبلاج فجر الأمل، بدأت تتشكل مبادرات وطنية صادقة لإعادة هذه الكفاءات إلى مواقعها الطبيعية، حتى تستأنف الجامعات رسالتها، ويعود نبض البحث العلمي إلى سابق عهده.
إن مشروع العودة الطوعية لم يكن مجرد ترتيبات للسفر أو تنظيم وسائل نقل، بل كان مشروعًا وطنيًا متكاملًا تطلب تنسيقًا مؤسسيًا دقيقًا، وعملًا متواصلًا امتد لساعات طويلة، واجتماعات متكررة، واتصالات لا تهدأ بين الجهات الرسمية والمهنية والمجتمعية. فالعودة شملت مختلف وسائل النقل البرية والبحرية والسككية، بما يراعي ظروف العائدين وإمكاناتهم، ويؤكد أن الهدف الأسمى هو إعادة أبناء الوطن إلى أرضه بكل السبل الممكنة.
وفي قلب هذه الجهود، برزت سفارة جمهورية السودان بالقاهرة بوصفها نموذجًا للمؤسسة الوطنية التي وضعت خدمة المواطنين في مقدمة أولوياتها. فقد واصلت السفارة العمل دون كلل، وفتحت أبوابها أمام المبادرات، وسخرت إمكاناتها لتيسير الإجراءات، وتذليل العقبات، والتنسيق مع الجهات ذات الصلة، حتى أصبحت محطة رئيسة في إنجاح مشروع العودة.
ويستحق السفير عماد عدوي الإشادة لما بذله من جهدٍ إداري وإنساني في قيادة هذا العمل، حيث اتسم أداؤه بالقرب من المواطنين، والحرص على متابعة التفاصيل، والاستجابة للمبادرات الوطنية، وتوفير البيئة المناسبة لإنجاح برامج العودة. ولم يكن حضوره مقتصرًا على الجوانب البروتوكولية، بل تجسد في المتابعة المستمرة، والتنسيق بين المؤسسات، والعمل بروح الفريق، بما أسهم في تسريع الإجراءات وبث الطمأنينة في نفوس الراغبين في العودة إلى وطنهم.
كما برز الاتحاد المهني العام لأساتذة الجامعات والمعاهد العليا السوداني بوصفه أحد أهم الشركاء في هذا المشروع الوطني، حيث لم يقتصر دوره على تمثيل منسوبيه، وإنما حمل على عاتقه مسؤولية الوقوف الميداني على سير عمليات العودة، والتواصل اليومي مع الأساتذة وأسرهم، وحصر الراغبين في العودة، ومتابعة ترتيبات سفرهم، والتنسيق مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، والمستشار الثقافي، والسفارة، ولجنة الأمل للعودة الطوعية، لضمان انسياب العملية بالصورة التي تليق بأهل العلم والمعرفة.
ولم تكن جهود الاتحاد عملاً موسميًا، بل جاءت امتدادًا لمسؤوليته المهنية والوطنية تجاه منسوبيه، حيث ظل المكتب التنفيذي وأعضاؤه في حالة متابعة مستمرة لكل مراحل العودة، بدءًا من الإعلان والتسجيل، مرورًا بالإجراءات التنظيمية، وانتهاءً بوصول العائدين إلى أرض الوطن. وقد جسد الاتحاد بذلك نموذجًا للنقابة الفاعلة التي تتجاوز حدود المطالب المهنية إلى الإسهام المباشر في القضايا الوطنية الكبرى.
كما كان لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي دورٌ محوري في رعاية هذه المبادرات، من خلال توفير الغطاء المؤسسي، والتنسيق مع الجامعات، ووضع الترتيبات الكفيلة بعودة الكفاءات إلى مؤسساتها الأكاديمية بصورة منظمة، بينما أسهم المستشار الثقافي لسفارة السودان بالقاهرة في تسهيل التواصل والمتابعة، وقامت لجنة الأمل للعودة الطوعية بجهود كبيرة في التنسيق الميداني، والإسناد اللوجستي، والإجابة عن استفسارات الراغبين في العودة، في صورة عكست تكامل الأدوار بين مؤسسات الدولة والمجتمع.
ولا يقتصر الفضل على هذه الجهات وحدها، فهناك عشرات العاملين والمتطوعين الذين آثروا العمل بعيدًا عن الأضواء، فتابعوا الاتصالات، وأنجزوا الإجراءات، ونسقوا مع الجهات المختصة، واستقبلوا الاستفسارات، وعالجوا العقبات التي واجهت بعض العائدين. إنها جهود قد لا تُرى في وسائل الإعلام، لكنها ستظل محفوظة في ذاكرة كل من وجد من يقف إلى جانبه في لحظة احتياج.
إن الوطن لا يُبنى بالشعارات، وإنما بالإرادة الصادقة والعمل الدؤوب. وعندما تتكامل جهود السفارة، ووزارة التعليم العالي، والاتحاد المهني، والمستشارية الثقافية، ولجنة الأمل، وسائر المبادرات الوطنية، تتحول التحديات إلى فرص، وتصبح العودة بداية لمرحلة جديدة من البناء والإعمار. فكل أستاذ جامعي يعود إلى وطنه يحمل معه علمًا، وخبرةً، ورسالةً، وأملًا، وهو استثمار حقيقي في مستقبل السودان.
واليوم، ونحن نشهد هذه الجهود المباركة، فإن الواجب يقتضي توجيه الشكر والتقدير لكل من أسهم فيها، من قيادات الدولة، والعاملين في السفارة، والاتحاد المهني، والوزارة، واللجان التطوعية، وكل من بذل وقتًا أو جهدًا أو فكرة لإنجاح هذا المشروع الوطني. فالجميع شركاء في صناعة الأمل، والجميع يستحقون أن يُذكروا بكل عرفان واحترام.
إن العودة إلى الديار ليست نهاية الرحلة، بل هي بداية مرحلة جديدة من العطاء، يستأنف فيها العلماء والأساتذة رسالتهم في التعليم والبحث العلمي، ويضعون خبراتهم في خدمة الوطن وأجياله القادمة. وسيظل التاريخ يذكر أن رجالًا ونساءً آمنوا برسالتهم، فلم تثنهم الصعوبات، ولم توقفهم التحديات، بل واصلوا الليل بالنهار حتى أعادوا الأمل إلى قلوب كثيرين، وأثبتوا أن حب الوطن لا يُقاس بالكلمات، وإنما بما يُبذل من جهد، وما يُقدَّم من عمل، وما يُغرس من أمل في مستقبل السودان.
فما بين شدِّ الرحال والعودة إلى الديار، تُكتب صفحة مشرقة من صفحات الوفاء الوطني، عنوانها التكامل بين مؤسسات الدولة والمجتمع، وروحها الإخلاص، ورسالتها أن السودان سيظل قويًا بأبنائه، وأن العلماء سيبقون دائمًا في مقدمة العائدين لبناء وطنهم، حاملين معهم المعرفة والخبرة والإيمان بأن الغد سيكون أفضل بإذن الله.
زول اسمو الفريق اول شرطة محجوب سعد. !!
* هو الفريق اول محجوب حسن سعد المدير العام الاسبق للشرطة السودانية ….لا ابالغ ان قلت…





