الكرمك.. فجر الخلاص وتاج الكرامة
شيء للوطن م. صلاح غريبة - مصر

لم يكن يوم الثامن من يوليو للعام 2026 يوماً عادياً في الذاكرة الوطنية السودانية، بل كان فجراً جديداً أشرقت فيه شمس الحرية من أقصى الجنوب الشرقي للبلاد، حيث تعانقت سواعد الرجال مع دعوات الأمهات لتسطر ملحمة بطولية تُوجت بتحرير مدينة الكرمك الاستراتيجية بولاية النيل الأزرق. هذا الانتصار لم يكن مجرد تقدم عسكري على رقعة الشطرنج الميدانية، بل هو إعلان صريح بأن إرادة الشعوب الحية لا تُقهر، وأن الجيوش الوطنية التي تستمد شرعيتها من نبض شارعها قادرة على اجتراح المعجزات، مهما تكالبت عليها قوى البغي والارتزاق.
لقد أثبتت المعارك الضارية التي دارت رحاها في محيط وداخل مدينة الكرمك أن العقيدة القتالية التي يتسلح بها المقاتل الوطني تتفوق بأشواط على مطامع المرتزقة. لقد تم استرداد الكرمك “عنوةً واقتداراً”، في دلالة قاطعة على القوة والحسم اللذين ميّزا هذه العملية العسكرية المتقنة، فلم تقتصر الهزيمة التي لحقت بالمليشيا المتمردة على فقدان الأرض، بل امتدت لتشمل خسائر كارثية في الأرواح والعتاد، ولكنه هروب مذل، مشهد فلول المليشيات الإرهابية وهي تولي الأدبار وتجر أذيال الهزيمة، تاركة خلفها أسلحتها ومركباتها، يمثل نهاية حتمية لكل من يرفع السلاح في وجه وطنه ويستبيح دماء أبناء جلدته، وهذا الانتصار يمثل ضربة قاصمة لمشروع التخريب الممنهج، ويثبت أن كل محاولات زرع الخوف والدمار مآلها إلى الزوال.
ما إن صدحت البيانات الرسمية بإعلان تحرير الكرمك، حتى سرت موجة من الفرح العارم في كل شبر من أرض السودان. إنها فرحة تتجاوز حدود الجغرافيا لتعبر عن حالة من التلاحم الوجداني بين الشعب السوداني ومؤسسته العسكرية.
لقد عاش أهلنا في مدينة الكرمك والمناطق المجاورة لها أوقاتاً عصيبة، تجرعوا فيها مرارة البطش والترويع على يد مليشيات لا تعرف للرحمة طريقاً ولا للإنسانية معنى. اليوم، تتنفس الكرمك هواء الحرية، وتُمسح دموع المقهورين بيد أبنائهم من جنود الوطن. هذه الفرحة العفوية التي غمرت القرى والمدن السودانية، والزغاريد التي انطلقت من حناجر الأمهات، هي أصدق استفتاء على التفاف الشعب حول قواته المسلحة في معركة الكرامة والدفاع عن السيادة.
في هذا المقام، لا بد من وقفة إجلال وإكبار نرفع فيها قبعات الفخر والاعتزاز لجيشنا الوطني الباسل والقوات المشتركة والمساندة التي وقفت كتفاً بكتف في خندق واحد. “إن ينصركم الله فلا غالب لكم” – صدق الله العظيم.
بهذه العقيدة الراسخة، تقدم هؤلاء الأبطال لا يهابون الموت، يسترخصون الدماء من أجل أن يبقى السودان موحداً وعزيزاً. لقد أثبتوا بالفعل قبل القول أنهم إذا عزموا حسموا، وإذا تقدموا انتصروا. إن التنسيق العالي، والروح القتالية الفذة، وبسالة الأبطال في الميدان، هي دروس عسكرية ستُدرّس للأجيال القادمة عن معنى الفداء والتضحية. طوبى لتلك السواعد السمراء التي تقبض على الزناد بيد، وتحرس أحلام السودانيين باليد الأخرى.
لعل أبرز ما يلفت النظر في الخطاب العسكري المرافق لهذا الانتصار، هو الرؤية الشاملة التي لا تقف عند حدود دحر العدو، بل تتجاوزها إلى مسؤولية الدولة تجاه مواطنيها بخارطة طريق ما بعد التحرير، بحماية المدنيين ووضع سلامة المواطن كأولوية قصوى ومنع أي اعتداءات ارتدادية، واستعادة الخدمات بالتحرك السريع لإصلاح البنية التحتية التي دمرتها قوى التمرد، من مرافق صحية، وشبكات مياه، وكهرباء، وتهيئة الظروف للعودة، مع خلق بيئة آمنة تضمن عودة النازحين والمهجرين إلى ديارهم لممارسة حياتهم الطبيعية بكرامة وطمأنينة.
إن تحرير الكرمك ليس نهاية المطاف، بل هو محطة مضيئة في طريق طويل نحو تطهير كامل التراب الوطني من دنس التمرد والارتزاق. هو تأكيد متجدد على أن “معركة الكرامة” مستمرة ولن تتوقف إلا باقتلاع جذور الإرهاب وتأمين كل شبر من أرض النيلين.
الرحمة والخلود للشهداء الأبرار الذين رووا بدمائهم الزكية هذه الأرض الطاهرة لتنبت نصراً مؤزراً، وعاجل الشفاء للجرحى والمصابين الذين يحملون أوسمة الشرف على أجسادهم، والعودة الآمنة للأسرى والمفقودين. سيبقى السودان بشعبه وجيشه عصياً على الانكسار، وما الكرمك اليوم إلا نافذة أمل تطل على فجر قريب يعم فيه السلام والأمن ربوع الوطن الحبيب.
ماذا يعني تحرير محافظة الكُرمك باقليم النيل الازرق!؟
الانتصارات العظيمة التي حققتها القوات المسلحة والتشكيلات المساندة لها في حرب الكرامة لا خب…





