‫الرئيسية‬ مقالات سموم رقمية على ضفاف النيل: مَن يزرع الفتنة بين مصر والسودان؟
مقالات - ‫‫‫‏‫15 دقيقة مضت‬

سموم رقمية على ضفاف النيل: مَن يزرع الفتنة بين مصر والسودان؟

شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com

 

لم تكن روابط الدم والتاريخ والجغرافيا بين مصريين وسودانيين مجرد حبر على ورق المعاهدات، بل هي واقع عاشته الشعوب على ضفاف النيل لقرون طويلة. لكن في الفضاء الرقمي المعاصر، تحولت منصات التواصل الاجتماعي من مساحات للتلاقي الإنساني وتبادل الآراء إلى ساحات ملغومة تضج بخطاب الكراهية والتحريض المتبادل. إن ما شهده الفضاء الإلكتروني مؤخراً من تصعيد حاد وتراشق بالشتائم والإساءات، تجاوز حدود المنافسة الرياضية العابرة أو الاختلاف الطبيعي في وجهات النظر، ليدق ناقوس الخطر حول سلامة واحدة من أكثر العلاقات الاستراتيجية والاجتماعية رسوخاً في المنطقة العربية والإفريقية.

بدأ هذا التصعيد الأخير يأخذ منحى دراماتيكياً عقب أحداث رياضية حركت مشاعر الجماهير، حيث قوبل خروج أحد المنتخبات الوطنية بموجة من الشماتة الرقمية والمقاطع المسيئة، والتي جابهها الطرف الآخر بمحتوى مماثل يحمل من حدة الاستقطاب ما يفوق التوقعات. غير أن قراءة المشهد من زاوية رياضية ضيقة تعني السقوط في فخ التسطيح؛ فالقضية أعمق بكثير من كرة قدم. إنها تتعلق بهشاشة الوعي العام الذي بات قابلاً للاختراق من قِبل خطابات شعبوية متصاعدة، تُغذيها أطراف متعددة، بعضها تحركه أطماع مالية بحتة، والبعض الآخر تحركه أجندات سياسية وغرف إعلامية منظمة تسعى لتسميم الأجواء وتفكيك النسيج الاجتماعي المشترك.

تتداخل في هذا المشهد المأزوم عوامل عدة أسهمت في صعود هذا الخطاب الشعبوي. فمن جهة، يعود جزء من الأزمة إلى تراجع مؤشرات التنمية الثقافية والتعليمية التي جعلت قطاعات من المستخدمين لقمة سائغة للانفعالات اللحظية والشائعات المضللة. ومن جهة أخرى، هناك حملات تحريضية عابرة للحدود تدار من منصات وصفحات خارجية خبيثة تستهدف استغلال أي توتر عابر لتعميق الهوة بين الشعبين. يضاف إلى ذلك الضغوط اللوجستية والسياسية الناتجة عن تداعيات الأزمات الأمنية والحروب، وما تفرضه من إجراءات تنظيمية لضبط أوضاع المقيمين واللاجئين، وهي إجراءات يساء تفسيرها أحياناً أو تُستغل لإثارة الاحتقان وتشويه الصورة الذهنية المتبادلة التي ترسخت عبر عقود من التعايش والترحاب والتكامل.

وعلى الجانب الآخر من هذه الأزمة، تبرز “اقتصاديات الكراهية” كمحرك أساسي للعديد من الحسابات الفردية على منصات التواصل. إن السعي وراء تحقيق المكاسب المالية من خلال رفع معدلات المشاهدة والتفاعل (Reach) يدفع ببعض صناع المحتوى لتبني خطابات بالغة التطرف والاستفزاز، مستغلين الطبيعة الانفعالية السريعة للجمهور. فكلما كانت العبارة أكثر قسوة وهدماً، زادت الأرباح الرقمية، وهو سلوك انتهازي يعبث بمصائر الشعوب واستقرار الدول من أجل حفنة من الدولارات، متجاوزاً خطورة الآثار النفسية والاجتماعية التي تتركها هذه السموم الرقمية على أرض الواقع.

إن مواجهة هذه الموجة العاتية من التضليل والتحريض تتطلب ما يمكن تسميته “بمعركة الوعي الشاملة”، التي يتصدرها مساران رئيسيان. أولاً: تحرك إعلامي وقائي يسد الفراغ الرقمي الذي تستغله الحسابات المغرضة، فالصمت الإعلامي أو الاكتفاء برصد الأزمات دون تقديم معالجات عقلانية يترك الساحة فارغة للمحرضين. ثانياً: بناء استراتيجية إعلامية وثقافية إيجابية ومستدامة تسلط الضوء على المصالح المشتركة، وتدعم التداخل الاقتصادي، الاجتماعي، والثقافي، وتبرز الدور المحوري لرجال الأعمال والمؤسسات الأهلية في كلا البلدين لتأمين العلاقات من الهزات الطارئة.

في النهاية، يجب الإدراك الواعي بأن الضجيج الرقمي الصاخب الذي تصنعه أقلية تبحث عن الشهرة أو تنفذ أجندات تخريبية، لا يعكس بأي حال من الأحوال حقيقة المشاعر والروابط المتجذرة بين الغالبية الصامتة من الشعبين. إن الرهان الحقيقي اليوم يقع على عاتق وعي المواطن، وحكمة القيادات، ومسؤولية النخب الفكرية والإعلامية؛ لحماية مظلة الجوار والمصير المشترك من أن تعبث بها رياح المنشورات العابرة أو حملات التحريض الافتراضية. إن حماية هذه العلاقة لم تعد ترفاً دبلوماسياً، بل هي ضرورة وجودية وأمنية لا تحتمل التهاون.

بناءً على التناول السابق لمخاطر الفضاء الرقمي على العلاقات المجتمعية، ما هي في رأيك الآلية الأكثر فعالية التي يمكن للدولتين تطبيقها قانونياً أو تقنياً للحد من نشاط هذه “الغرف الإعلامية الموجهة” دون المساس بحرية التعبير؟

‫شاهد أيضًا‬

من الذي قتل المواطن احمد عوض الله وكيف.!!

* ليس هناك افضل من الحقيقة في نقل الاخبار … وقالوا (سمح القول في خشيم سيدو)…تع…