‫الرئيسية‬ مقالات السودان… لماذا ينتصر المثير على المهم؟
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعة واحدة مضت‬

السودان… لماذا ينتصر المثير على المهم؟

أصل_القضية | من سلسلة الجسر والمورد  د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

هناك أسئلة لا تكشف خطورتها عندما نطرحها…

بل عندما نكتشف أننا تأخرنا في طرحها.

ومن بين أخطر الأسئلة التي يجب أن تواجهها المجتمعات اليوم:

ليس فقط…

من يملك القوة؟

ولا:

من يملك المال؟

ولا:

من يملك المنابر؟

بل سؤال أكثر عمقًا:

من يملك انتباه الناس؟

لأن الإنسان لا يتحرك وفق كل ما يحدث حوله…

بل وفق ما يصل أولًا إلى دائرة وعيه.

وما لا يصل إلى الوعي…

قد يصبح، عمليًا، كأنه لم يحدث.

وهنا تبدأ #أصل_القضية.

 

أولًا… في عصر الوفرة أصبحت الندرة في مكان آخر

في الماضي…

كانت المعركة على امتلاك المعلومة.

كان من يملك الخبر يملك قوة.

ومن يملك الصحيفة يملك منبرًا.

ومن يملك القناة يملك تأثيرًا.

أما اليوم…

فقد تغيرت قواعد اللعبة.

لم تعد المشكلة أن الناس لا تعرف.

بل أنها تعرف أشياء كثيرة في وقت واحد.

الأخبار لا تتوقف.

المنصات لا تنام.

والهواتف أصبحت تحمل العالم كله داخل شاشة صغيرة.

لكن هناك مورد واحد لم يزد…

بل أصبح أكثر ندرة:

انتباه الإنسان.

فالعقل البشري مهما تطورت التكنولوجيا حوله…

ما زال يملك قدرة محدودة على التركيز.

ولهذا انتقلت المعركة من:

من يملك المعلومات؟

إلى:

من يملك لحظة الالتفات الأولى؟

لأن من يربح الانتباه…

يمتلك فرصة أكبر لصناعة الفهم.

ومن يصنع الفهم…

يمتلك طريقًا نحو صناعة القرار.

 

ثانيًا… الانتباه أصبح المورد الاستراتيجي الجديد

في عالم الجسر والمورد…

تعلمنا أن الصراع لا يكون دائمًا حول المورد الظاهر.

فقد تتنافس الدول على النفط…

لكن الصراع الحقيقي يكون على من يحدد طريقة استخدامه.

وقد تتنافس على الذهب…

لكن القيمة الحقيقية تكون في من يدير السوق الذي يمنحه قيمته.

واليوم…

ظهر مورد جديد:

الانتباه الإنساني.

فالعالم الرقمي لا يتنافس فقط على إنتاج المحتوى.

بل على احتجاز الإنسان داخله.

كل دقيقة يقضيها الإنسان أمام الشاشة…

لها قيمة.

كل تفاعل…

يعطي معلومات جديدة.

كل انفعال…

يكشف نمطًا جديدًا يمكن توظيفه.

ولهذا لم يعد الإنسان مجرد مستخدم للمنصات…

بل أصبح جزءًا من اقتصاد عالمي يقوم على استثمار انتباهه.

لقد انتقلت السلطة من امتلاك المعلومة…

إلى امتلاك الطريق الذي تصل منه المعلومة إلى العقل.

 

ثالثًا… لماذا ينتصر المثير على المهم؟

لأن المهم يحتاج إلى زمن.

أما المثير…

فيحتاج إلى لحظة.

المهم يطلب من الإنسان أن يقرأ.

أن يحلل.

أن يقارن.

أن يفكر.

أما المثير…

فيقفز مباشرة إلى منطقة الانفعال.

الغضب أسرع من التحليل.

الخوف أسرع من الفهم.

والفضيحة أسرع من الحقيقة.

ولهذا لا تكافئ البيئة الرقمية دائمًا أفضل الأفكار…

بل أكثرها قدرة على خطف الانتباه.

فالمعيار لم يعد فقط:

هل هذا مهم؟

بل:

هل يجعل الناس يتوقفون؟

هل يدفعهم للتعليق؟

هل يثير رد الفعل؟

وهنا تكمن الخطورة.

فقد لا تُهزم الحقيقة لأنها ضعيفة…

بل لأنها جاءت بهدوء في عالم يكافئ الصخب.

 

رابعًا… السودان… أين ذهب انتباهنا؟

قبل عام تقريبًا…

كان السودانيون يعيشون حالة مختلفة تمامًا.

كانت الأنظار معلقة على تطورات المعارك.

كان الناس يتابعون تحركات القوات المسلحة.

ويراقبون مسار المواجهة مع تمرد قوات الدعم السريع.

كانت الخريطة العسكرية جزءًا من الحياة اليومية.

وكان سؤال الناس:

إلى أين تتجه المعركة؟

ثم…

تغير المشهد.

ليس بالضرورة لأن القضية انتهت…

ولكن لأن الانتباه انتقل.

وهنا يجب أن نتوقف.

أين ذهب ذلك الانتباه؟

هل تغيرت أهمية القضية؟

أم تغيرت القضايا التي أصبحت تحتل مساحة الوعي؟

وقبل ذلك…

كان المجتمع السوداني يعيش لحظة مختلفة أيضًا.

كانت “التكايا” عنوانًا بارزًا في النقاش العام.

كانت نموذجًا لعودة التضامن الاجتماعي.

ودليلًا على أن المجتمع، رغم الحرب والانقسام، ما زال قادرًا على إنتاج الرحمة والتكافل.

كانت التكايا قصة وطنية.

ثم…

تراجعت من واجهة المشهد.

فهل اختفت؟

أم اختفى انتباهنا إليها؟

وهنا يظهر السؤال الأخطر:

هل نحن نعيش الأحداث…

أم نعيش ما يُسمح لنا أن ننتبه إليه؟

 

خامسًا… متلازمة الكاتب بلا قارئ… حين يُسرق الانتباه من الفكرة

قبل أيام…

كتبت في #أصل_القضية عن:

“متلازمة الكاتب بلا قارئ”.

ولم تكن القضية أن المجتمع فقد الرغبة في القراءة فقط.

بل أن الإنسان أصبح يعيش وسط منافسة شرسة على انتباهه.

فالكاتب الذي يقدم فكرة عميقة…

قد يخسر أمام مقطع قصير يثير الجدل.

والباحث الذي يحلل قضية وطنية…

قد يجد نفسه أمام موجة غضب عابرة تبتلع كل شيء.

وهنا لا تختفي الأفكار لأنها ضعيفة…

بل لأنها لم تحصل على فرصة الوصول.

فالانتباه أصبح البوابة التي تمر عبرها كل القضايا.

 

سادسًا… حين تتحول إدارة الصراع إلى إدارة للانتباه

“متلازمة ذات المستندات… حين يتحول الدليل إلى أداة استنزاف”

وهنا تكون الفكرة:

المشكلة ليست في كشف الفساد أو المعلومات.

المشكلة حين تتحول المستندات من وسيلة إصلاح إلى وقود لانقسام المجتمع.

السؤال ليس: هل المستند صحيح؟

بل: ما الوظيفة التي يؤديها في الوعي العام؟

هل يقود إلى بناء مؤسسات؟ أم يقود إلى مزيد من طحن المجتمع لبعضه؟

قلت من قبل في #أصل_القضية:

إن إدارة الصراع في السودان لا تتم فقط عبر أدوات خارجية…

بل عبر أدوات داخلية أيضًا.

واليوم نحتاج إلى إضافة طبقة أخرى:

إن أخطر أدوات إدارة الصراع قد تكون إدارة الانتباه.

فحين ينشغل المجتمع باستنزاف بعضه البعض…

تتراجع القضايا الكبرى إلى الخلف.

وحين يتحول المجال العام إلى ساحة تراشق دائم…

تضيع الأسئلة التي تحتاج إلى بناء.

وما نشهده أحيانًا من موجات سجالات، وتسريبات، وتبادل اتهامات، وعرض مستندات عبر المنصات…

ليس المهم فقط معرفة تفاصيل كل واقعة.

بل السؤال الأعمق:

ما أثر ذلك على وعي المجتمع؟

هل يقربنا من الحل؟

أم يجعلنا ندور داخل دائرة استنزاف لا تنتهي؟

فكل معركة انتباه…

تسحب مساحة من معركة أخرى.

وكل ضجيج…

قد يخفي سؤالًا أكثر أهمية.

 

سابعًا… هل الشعب لا يتكلم؟

ولعل أخطر ما في معركة الانتباه أنها لا تكتفي بإشغال المجتمع، بل قد تدفعه إلى استنزاف نفسه. فعندما يتحول المواطن من مراقب لقضايا وطنه الكبرى إلى خصم دائم لأخيه المواطن، تصبح المعركة قد انتقلت من إدارة الأحداث إلى إدارة الانقسام ذاته.

 

هناك سؤال يجب أن نطرحه بوضوح:

إذا كان الجميع يتحدث باسم الشعب…

فهل الشعب نفسه أصبح صامتًا؟

هل أصبح المواطن مجرد متلقٍ للصراعات؟

هل أصبح دوره أن يختار بين روايات متنافسة؟

أم أن دوره الحقيقي يجب أن يكون استعادة القدرة على التفكير خارج دائرة الاستقطاب؟

فأخطر ما يمكن أن يحدث لأي أمة…

ليس أن تختلف.

فالاختلاف طبيعي.

بل أن تُستهلك في اختلافاتها…

حتى تنسى ما يجب أن تبنيه.

ثامنًا… استعادة السيادة على الانتباه

المشكلة ليست في التكنولوجيا.

ولا في المنصات.

ولا في تعدد الأصوات.

فالتنوع قوة.

لكن المشكلة تبدأ عندما نفقد القدرة على ترتيب أولوياتنا بأنفسنا.

أن نسأل:

لماذا ظهر هذا الآن؟

ولماذا اختفى غيره؟

من المستفيد من أن تظل أعيننا مشغولة بهذه القضية دون غيرها؟

فالسيادة على الوطن…

تبدأ بالسيادة على الوعي.

والسيادة على الوعي…

تبدأ بالسيادة على الانتباه.

 

#أصل_القضية…

في الماضي…

كانت الأمم تخشى احتلال الأرض.

ثم أصبحت تخشى احتلال الاقتصاد.

أما اليوم…

فإن الخطر الأكبر قد يكون احتلال سلم الأولويات داخل العقل.

ومن منظور الجسر والمورد…

فإن الانتباه ليس مجرد حالة نفسية.

إنه مورد استراتيجي.

ومن يملك الانتباه…

يملك فرصة التأثير.

ومن يملك التأثير…

يملك فرصة تشكيل القناعات.

ومن يشكل القناعات…

يؤثر في القرار.

ولهذا…

ليس المهم أن تفقد الحقيقة.

بل أن تفقد القدرة على الوصول إليها وسط الضجيج.

ولعل أخطر ما يمكن أن نكتشفه ذات يوم…

ليس أن هناك من اختلف معنا.

بل أن هناك من نجح في أن يجعلنا نختلف إلى درجة أننا نسينا الوطن نفسه.

ولهذا يبقى السؤال:

لماذا ينتصر المثير على المهم؟

لأن المعركة الحقيقية في عصرنا لم تعد فقط على ما يفكر فيه الناس…

بل على ما يجعلهم يفكرون أصلًا.

وهنا يظهر السؤال الأكثر خطورة: من يصنع الأبطال في زمن الخوارزميات؟ هل هم أصحاب الإنجازات الحقيقية؟ أم أصحاب القدرة على احتلال مساحة الانتباه؟

ففي عالم ينتصر فيه المثير على المهم… قد لا يصبح الأكثر تأثيرًا هو من يملك الحقيقة… بل من يملك القدرة على جعل الناس ينظرون إليه أولًا.

“متلازمة ذات المستندات”

‫شاهد أيضًا‬

عندما يصبح وزير الإعلام طرفًا في السجال… من يحرس هيبة المنصب ويقود معركة الوعي؟

في الدول التي تواجه الحروب والأزمات الوجودية، لا يُقاس أداء وزير الإعلام بعدد المقالات الت…