حوكمة الشركات العامة في السودان: قراءة في واقع قطاعي الصمغ العربي والأقطان وتحديات بيئة العمل الراهنة
مستشار عبد العزيز ابوطالب

مقدمة :-
يمر الاقتصاد السوداني بمرحلة تعد الأشد تعقيداً في تاريخه الحديث، حيث يتسم المشهد الراهن بحالة من عدم اليقين الجيوسياسي، وتراجع حاد في معدلات النمو، وصعوبات بالغة تواجه سلاسل الإمداد وحركة التجارة الخارجية. أدت هذه الظروف إلى ضغوط تضخمية متسارعة واختلالات مستمرة في استقرار سعر الصرف، مما انعكس مباشرة على بيئة العمل وحوّل الإدارة اليومية للمؤسسات إلى عملية “إدارة أزمات مستمرة” تتطلب انتقالاً فورياً نحو الحوكمة الرشيدة لبناء المرونة المؤسسية ومواجهة التقلبات السيادية والتشغيلية التى تواجه تلك المؤسسات.
وتتضاعف حدة التحديات الشاخصة في بيئة العمل الحالية نتيجة للانقطاع الشبكي والمعلوماتي وتدهور البنية التحتية للاتصالات والكهرباء التى تعيشها البلاد حالياً، مما يعيق الربط المحاسبي والمالي اللحظي بين رئاسة الشركات ومواقعها الإنتاجية (كالمحالج في الولايات، ومناطق تجميع الصمغ بحزام الصمغ العربى، وميناء بورتسودان)، وهو ما يرفع من مخاطر الاختلاسات الإدارية وتأخر التقارير المالية والادارية وتقديمها للجهات الرقابية . يضاف إلى ذلك تآكل رأس المال البشري وهجرة الكفاءات المؤهلة (حملة شهادات PMP, PBA,RMP,CFA)، مما ترك الإدارة التنفيذية في أيدي كوادر تقليدية تفتقر لمهارات التخطيط الاستراتيجي الحديث وادارة المشاريع الاحترافية وادارة المخاطر الاحترافية وتحليل الاعمال . علاوة على ذلك، تبرز مخاطر الامتثال المصرفي الدولي، حيث تواجه الشركات صعوبات بالغة في فتح الاعتمادات المستندية (LCs) وتحويل حصائل الصادرات نتيجة لتصنيف البيئة المحلية كبيئة عالية المخاطر من قبل المؤسسات المصرفية العالمية والاقليمية ، مما يضطر بعض الكيانات لاستخدام قنوات مالية وسيطة ترفع من تكلفة المعاملات وتزيد من مخاطر الهدر المالي.
اولا: واقع الحوكمة ومواءمتها الاستراتيجية فى المؤسسات العامة .
تُعرف الحوكمة في القطاع العام بأنها بوصلة الضوابط والقواعد التي تضمن الشفافية والمساءلة وفصل السلطات الإشرافية عن الإدارة التنفيذية. وفي البيئة السودانية، عانت حوكمة الشركات المملوكة للدولة وشركات المساهمة العامة والشركات الرمادية تاريخياً من معضلة “تداخل الاختصاصات”؛ حيث تذوب الحدود الفاصلة بين الدور التنظيمي للوزارات الحكومية، والدور التجاري والتنافسي لمجالس إدارات هذه الشركات.
من منظور التخطيط الاستراتيجي، تفتقر الغالبية العظمى من هذه المؤسسات إلى أدوات القياس الحديثة مثل “بطاقات الأداء المتوازن” (Balanced Scorecards) التي توازن بين الملفات المالية وتطوير الكفاءات البشرية ومنظور العملاء ومنظور العمليات الداخلية مثل الجودة, الانتاجية, وسرعة الاستجابة . ونتيجة لذلك، سادت النظرة قصيرة الأجل القائمة على الميزانيات السنوية كأداة رقابة وحيدة، مما جرد الشركات العامة من قدرتها على المنافسة الإقليمية واستشراف المخاطر قبل وقوعها. حيث يحول الادارة من الفكر الادارى من القيادة الاستراتيجية الى التسييرالمحاسبى الضيق , حيث تركز الادارة فقط على تحقيق ارقام السنة الحالية لارضاء الجهات الرقابية او الحصول على الحوافز وهذا واقع معاش فى مؤسسات الدولة .
ثانياً: اُ مثلة تطبيقية من قطاع التصدير والانتاج :-
1. شركة الصمغ العربي: تُمثل هذه الشركة نموذجاً للكيانات التي تدير مورداً استراتيجياً يمتلك فيه السودان ميزة تنافسية عالمية شبه احتكارية، ومع ذلك، فإن ثغرات الحوكمة التاريخية وهيكلية الإدارة أثرت سلباً على قدرتها التنافسية. من منظور تحليل الأعمال (Business Analysis)، واجهت الشركة ضعفاً مؤسسياً في مواءمة سلاسل الإمداد الداخلية مع السياسات التسويقية الخارجية. وقد نتج عن ذلك تبني سياسات تسعير غير عادلة وتشويه لآليات السوق تاريخياً، حيث أدى غياب المرونة المستندة إلى تحليل الأعمال الفعلي إلى فجوة هائلة بين السعر العالمي للصمغ والسعر الممنوح للمنتج التقليدي (المزارع)، مما دفع المنتجين إما إلى هجر هذا النشاط الزراعي أو اللجوء إلى “التجارة الموازية” والتهريب عبر الحدود لدول الجوار بدليل اصبح عدد من دول الجوار من اكبر مصدرى الصمغ العربى فى العالم خلال فترة الحرب 2023-2026 علما بان هنلك دولة ليس بها شجرة هشاب واحدة . وتزامن ذلك مع فشل الشراكة بين القطاعين العام والخاص هذا فضلا عن افتقار الشركة لإطار حوكمة ينظم العلاقة مع المساهمين أو الشركات العالمية المستوردة؛ فبدلاً من تطوير المحصول محلياً لإنتاج “الصمغ البودرة” لرفع القيمة المضافة، استمر التركيز على تصدير الصمغ الخام بأسعار متدنية، مما جعل العائد القومي من النقد الأجنبي ضئيلاً لا يعكس ريادة السودان العالمية لهذا المنتج . خلاصة الامر ان شركة الصمغ العربى ادارت مورداً عالميا تاريخياً وحتى الان بعقلية الجباية الادارية والوساطة التقليدية بدلاً من ادارة المحصول عبر منظمة ديناميكية متاكملة لبيئة الاعمال ترصد المتغيرات , وتدعم المنتج , وتصنع الفيمة مسبقاً قبل التصدير .
2. الشركة السودانية للأقطان: تُعد شركة الأقطان نموذجاً حياً للتداخل المعقد بين التمويل الزراعي، والتصنيع، والتصدير، وهي تُمثل صرحاً اقتصادياً عانى من غياب نظام صارم لتقييم المخاطر الائتمانية والتشغيلية وفق أطر إدارة المخاطر المؤسسية (ERM). ويبرز هذا الغياب في منح “الائتمان العشوائي”،خلال الفترة ( 2008- 2012) حيث قامت الشركة في فترات سابقة بتقديم تمويلات عينية ونقدية ضخمة (تقاوي، أسمدة، آليات) لاتحادات المزارعين دون إجراء دراسة ملاءة ائتمانية (Credit Assessment) أو طلب ضمانات حقيقية قابلة للتسييل عند الحوجة، مما أدى مع تعثر المواسم الزراعية بسبب الآفات ومشاكل الري إلى تراكم ديون هالكة بملايين الدولارات في دفاتر الشركة أثرت على سيولتها والوفاء بالتزاماتها تجاه البنوك. ويضاف إلى ذلك المخاطر التشغيلية والتعاقدية، حيث دخلت الشركة في عقود شراء آجلة وعقود تصدير بأسعار تثبيتية مع عدد من الشركات الاجنبية دون استخدام أدوات “التحوط المالي” (Hedging) ضد تقلبات الأسعار العالمية في بورصات القطن العالمية Liverpool& Newyork ، مما جعلها تتحمل خسائر فروقات أسعار هائلة وقضايا تحكيم دولي بسبب العجز عن تسليم الكميات المتعاقد عليها نتيجة أعطال المحالح أو تعثر الترحيل.
ثالثاً : هيكلة الرقابة عبر نموذج خطوط الدفاع الثلاثة التالية :-
إن حماية المال العام واستدامة هذه الشركات تتطلب التطبيق الصارم للنموذج العالمي لخطوط الدفاع الثلاثة (Three Lines of Defense) لضبط الرقابة والمخاطرمن خلال التنسيق بيت خطوط الدفاع الثلاثة :
• الخط الأول (الإدارة التشغيلية): ويتمثل في مديري الإدارات ورؤساء الأقسام (مثل إدارات الإمداد والتسويق والمالية في شركة الأقطان)، وهم المسؤولون مباشرة عن تحديد المخاطر اليومية وتطبيق الضوابط الداخلية أثناء سير العمليات.
• الخط الثاني (وظائف إدارة المخاطر والامتثال): ويتمثل في إنشاء إدارة مستقلة للمخاطر وإدارة للامتثال لا تتبع للمدير التنفيذي بل ترفع تقاريرها للجنة المخاطر بمجلس الإدارة، وتقوم بوضع الأطر ومراقبة التزام الخط الأول بالحدود المسموحة للمخاطر (Risk Tolerances).
• الخط الثالث (التدقيق الداخلي المستقل): إدارة التدقيق الداخلي التي تتمتع باستقلالية تامة، وتعمل على تقديم تأكيد موضوعي وشامل لمجلس الإدارة حول مدى كفاءة وفعالية الخطين الأول والثاني في إدارة وحوكمة المؤسسة.
رابعاً : خارطة طريق استراتيجية للاصلاح الحوكمى :-
بناءً على التقاطعات المهنية والأكاديمية، يمر إصلاح القطاع العام وشركات المساهمة العامة في السودان عبر محاور تنفيذية مترابطة:
1. التحرير الإداري وفصل السلطات: عزل قرارات التشغيل والتصدير والتسعير لشركات مثل “الصمغ العربي” و”الأقطان” عن البيروقراطية الوزارية والتجاذبات السياسية، وربطها بآليات السوق بمرونة تامة.
2. تأسيس إدارة المخاطر وتفعيل لجان المراجعة: إلزام مجالس الإدارات بتأسيس لجان تدقيق ومخاطر مستقلة ومؤهلة مهنياً، تتولى وضع “مصفوفة سجل المخاطر” (Risk Register) وتحديثها دورياً لمواجهة الطوارئ الاقتصادية الشاخصة.
3. تأسيس مكاتب إدارة المشاريع الاستراتيجية (PMO): لا ينبغي النظر إلى مكتب PMO كإدارة هندسية تقليدية، بل كـ “مركز تميز استراتيجي” (Strategic Center of Excellence) يقوم بحوكمة المحفظة الاستثمارية (Portfolio Governance) لتقييم المشاريع ومواءمتها مع استراتيجية الدولة للتصدير وإيقاف الهدر. كما يتولى توحيد الممارسات والمنهجيات عبر وضع أدلة إجراءات موحدة لإدارة العقود والمشتريات وفقاً لمعايير (PMI) لغلق منافذ الفساد، ومراقبة الأداء والتقارير اللحظية عبر تزويد القيادة بلوحات تحكم (Dashboards) توضح نسب الإنجاز الفعلية، والإنفاق المالي، والتنبؤ بانحراف الجداول الزمنية عبر تحليل الانحرافات (Variance Analysis).
4. تفعيل الرقابة الرقمية والإفصاح التام: التحول الكامل نحو الأنظمة والمحاسبة الرقمية لمنع الفساد الناتجة عن تشتت الفروع، وإلزام الشركات بنشر تقاريرها المالية بانتظام فى الاسواق المالية التى يتم فيها تدوال اسهمها لتعزيز الثقة مع المؤسسات التمويلية الدولية والشركاء التجاريين.
خلاصة القول :-
إن العبور بشركات المساهمة العامة وشركات القطاع العام في السودان نحو بر الأمان الاقتصادي واستعادة ريادتها العالمية في قطاعات بحجم الصمغ العربي والقطن ليس مستحيلاً، ولكنه يتطلب استبدال نمط الإدارة التقليدي بمنظومة حوكمة علمية صارمة تحمي القرار التجاري وتدير المخاطر بأسلوب مهني راسخ، لتتحول هذه الكيانات من عبء مالي إلى قاطرات حقيقية للتنمية الاقتصادية المستدامة.
كيف تُدار حل الأزمات؟
*بسم الله الرحمن الرحيم* الأزمات جزء من حياة الأفراد والمجتمعات والدول، ولكن الفارق بين ال…





