عباس سليمان في رحاب الرحمن … سيرة وفاء وأمتنان
عبد الكريم ابراهيم

الموت حقٌ لا مفر منه، فهو نهاية رحلة الإنسان في دار الفناء وبداية حياةٍ أبدية في دار البقاء، لا يفرق بين غنيٍ وفقير ، ولا بين كبيرٍ وصغير ، يأتي في سكون الفجر أو في هدأة الليل ، ليذكّرنا بأننا جميعًا إلى الله راجعون ، وأن البقاء لله وحده.
في فجر الثلاثاء الموافق 4 أغسطس 2026، انتقل إلى جوار ربه الزميل الوفي عباس سليمان عباس ، رئيس السائقين بوزارة الصناعة والتجارة قطاع التجارة ، بعد حياةٍ حافلة بالعطاء والإخلاص ، راضياً مرضياً بإذن الله وتقول سيرته العطرة انه ولد في أمدرمان عام 1960 ، من أسرةٍ كريمةٍ تنتمي إلى قرية حجر الطير بمدينة شندي العريقة . نشأ في كنف والديه على مكارم الأخلاق ، وتدرج في مراحله الدراسية متنقلاً بين مدارس العاصمة ، فكان ودودًا محبوبًا بين زملائه ومعلميه ، لطيف المعشر ، بشوش الوجه ، لا يعرف إلا الخير ، التحق بخدمة وزارة التجارة في منتصف ثمانينات القرن الماضي ، فكان مثالاً للعامل المخلص الذي يؤدي واجبه في صمتٍ وتفانٍ . عمل سائقًا مختصًا لعددٍ من وزراء ووكلاء الوزارة ، من بينهم الوكيل الراحل المقيم الأستاذ حسن محمد صالح الأعشى ، الذي كان يكنّ له تقديرًا خاصًا لما عرف عنه من أمانةٍ وصدقٍ ودماثة خلق.بكاه زملاؤه وزميلاته بدمعٍ سخي وقلوبٍ مكلمومة ، وحضر جنازته جمعٌ غفير من الرموز والشخصيات بعد الصلاة عليه بمسجد عبد الصمد بالثورة الحارة العاشرة حيث وُري الثرى بمقابر الديم بكُرري .
وقد حدّثنا شقيقه عصام أن القبر الذي ضم جسده الطاهر كانت طينته من القرير ، هشةً لينةً نديةً ، كأنها تتهيأ لاحتضان هذا الرجل النقي ، وقال: “كأن الأرض كانت تعرفه وتنتظره ، لتضمه برفقٍ وحنانٍ كما يضمّ الأم ابنها الغائب.
“أما ابنه سيف ، فقد تحدث بدموعٍ حارةٍ عن والده قائلاً: “كان أبي يخبرنا بلطفٍ أنه راحلٌ عنّا قريبًا، وكأنه كان يرى موعده مع ربه. كان يعتذر عن تناول الطعام بسبب مرضه ، لكنه كان يبتسم ويقول: (قريب أرتاح يا أولادي)، فكان كلامه وداعًا دون أن نعلم .
”
والدته الصابرة الحاجة عائشة أحمد سعيد ، أطال الله عمرها التقيناها قالت وهي ترفع يديها بالدعاء: “ودعته راضيةً عافيةً عنه، ما قصّر في برّي ولا في خدمتي ، كان طيب القلب ، نقي السريرة ، أسأل الله أن يجزيه خير الجزاء.
“كان الفقيد قائدًا فذًا قبل أن يكون رئيسًا ، يسع الجميع بقلبه قبل كرسيه ، لا يكلّ ولا يملّ من خدمة زملائه وتسهيل حركتهم وقضاء حوائجهم. ابتلاه الله بمرض المعدة لسنواتٍ فصبر واحتسب ، وكان مثالًا في الرضا والتسليم.
البركة في زوجتيه الكريمتين اعتدال محمد المجذوب وأماني عثمان ، وفي أبنائه سيف ، أمل ، رزان ، محمد ، أسيل ، اشتياق و امتثال ، وفي إخوته غادة ، سيف ، كمال ، بهاء الدين ، عصام ، محمد ، وحيدر ، وفي والدته الحاجة عائشة اطال الله عمرها التي ودعته بقلبٍ مؤمنٍ مطمئنٍ إلى رحمة الله . ولا يفوتنا أن نذكر وقفة الوفاء النبيلة من وفد الوزارة الذي زاره في أيامه الأخيرة باسم جميع العاملين والعاملات ، فكان ذلك تجسيدًا للمعدن الأصيل الذي تربت عليه هذه المؤسسة العريقة.
“اللهم اغفر له وارحمه ، وعافه واعفُ عنه ، وأكرم نزله ووسع مدخله ، واغسله بالماء والثلج والبرد ، ونقه من الذنوب كما يُنقّى الثوب الأبيض من الدنس .
“رحل عباس سليمان تاركًا وراءه سيرةً عطرةً وذكرى لا تُنسى في قلوب زملائه وأصدقائه . كان نموذجًا للإنسان الصادق الذي أحب عمله وأخلص لوطنه، فاستحق أن يُذكر بخيرٍ بعد رحيله.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
يردٍّ على مقال كابتن عادل المفتي معليش… معليش… نحنا عندنا جيش
في لحظةٍ فارقة من تاريخ السودان، وفي زمنٍ تتكاثر فيه العواصف وتشتد فيه المحن، يطل علينا ال…





