السودان… ما بين أسطورة كهف أفلاطون والخوارزميات
أصل_القضية | من سلسلة الجسر والمورد د. محمد أحمد أبوبكر - باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

لم تكن أخطر الأساطير تلك التي تحدثت عن الوحوش…
ولا تلك التي روت صراع الآلهة…
بل تلك التي كشفت كيف يمكن للإنسان أن يعيش عمره كله داخل وهمٍ يظنه الحقيقة.
ولهذا لم يكن كهف أفلاطون مجرد قصة فلسفية، بل كان تحذيرًا مبكرًا من أخطر ما يمكن أن تتعرض له الأمم؛ أن يُصنع وعيها من الظلال، وأن تتحول الأكاذيب المتكررة إلى حقائق راسخة، وأن يصبح الناس أسرى لما يُعرض أمام أعينهم، لا لما يجري خلف ظهورهم.
واليوم، وبعد أكثر من ألفي عام، لم يعد الكهف جدارًا من الصخور، ولم تعد النار هي التي تصنع الظلال، ولم يعد السجناء مقيدين بالسلاسل الحديدية.
لقد أصبحت الخوارزميات هي الكهف الجديد…
وأصبحت الهواتف الذكية جدرانه…
وأصبحت منصات التواصل الاجتماعي هي النار التي تُلقي بظلالها على العقول.
لم تعد الحقيقة هي ما يحدث…
بل ما تسمح الخوارزمية بأن تراه.
ولم تعد المعرفة هي ما يبحث عنه الإنسان…
بل ما تقرر المنصة أن يبقى أمام عينيه.
وهنا تبدأ الحكاية السودانية…
فإذا أردنا أن نفهم ما جرى في السودان منذ عام ٢٠١٣م، مرورًا بالحراك الشعبي في عام ٢٠١٨م، ثم المرحلة الانتقالية، وانتهاءً بالحرب التي اندلعت في أبريل ٢٠٢٣م وما أحدثته من زلزال أصاب الدولة السودانية في بنيتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فإننا بحاجة إلى أن ننظر إلى ما هو أبعد من الأحداث نفسها.
فالأحداث لا تتحرك وحدها… بل تتحرك معها الروايات.
والحروب لا تُخاض بالسلاح فقط… بل تُخاض أيضًا بالصور، والمقاطع القصيرة، والعناوين، والإشاعات، والخوارزميات التي تُقرر أي رواية تُرى، وأي رواية تُدفن، وأي قصة تتحول إلى يقين جماعي.
لقد دخل السودان، خلال العقد الأخير، في واحدة من أعقد معارك الإدراك في تاريخه الحديث.
لم تكن معركةً بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع التي تمردت عليها فحسب…
ولا بين مشروعين سياسيين فقط… بل كانت معركة على تعريف السودان نفسه؛ من هو؟ وما الذي يجمع أبناءه؟ وما الذي يستحق الدفاع عنه؟
وفي كل مرحلة، كانت هناك أدوات داخلية، وصراعات سياسية، واستقطابات مجتمعية، تفاعلت مع مصالح وضغوط خارجية، فأنتجت بيئة شديدة الهشاشة، استفادت منها أطراف متعددة لإضعاف قدرة الدولة على التماسك، وتعميق الانقسام، وإرباك المجال العام.
ومع كل أزمة جديدة، كان المواطن يفقد جزءًا من ثقته في الدولة.
مع كل خدمة تتوقف…
مع كل مؤسسة تتعطل…
مع كل مدرسة تُغلق…
مع كل مستشفى يخرج من الخدمة…
لم يكن يتراجع مستوى الخدمات فقط، بل كانت تتآكل العلاقة النفسية بين الإنسان ووطنه.
فالانتماء لا يُبنى بالشعارات وحدها. إنه يُبنى عندما يشعر المواطن أن الدولة تحميه، وتعلمه، وتعالجه، وتحفظ كرامته، وتفتح له أفق المستقبل.
وحين تنهار هذه الوظائف، يصبح الوطن، في وعي كثيرين، مجرد مساحة جغرافية لا مشروعًا جامعًا.
وهنا يبدأ أخطر أشكال التجريف…
ليس تجريف الأرض… بل تجريف الإنسان.
فالهجرة الجماعية، والنزوح، وتفكك الأسر، وانقطاع التعليم، وخروج الكفاءات، وتغير البنية السكانية في كثير من المناطق، ليست مجرد نتائج للحرب، بل تحولات ديموغرافية عميقة ستظل آثارها ممتدة لعقود، ما لم تُعالَج بسياسات تعيد بناء الإنسان قبل الحجر.لكن الأخطر من التجريف الديموغرافي كان التجريف الأخلاقي للمجال العام.
ففي سنوات قليلة، انتقل الخطاب العام من الاختلاف السياسي إلى الشك المتبادل، ثم إلى التخوين، ثم إلى الاتهام الجماعي، حتى أصبحت التهم تُوزع على الهويات والانتماءات والمناطق والمهن، وأصبح الإنسان يُدان أحيانًا بسبب الجهة التي ينتمي إليها أو المنطقة التي جاء منها أو الرواية التي لم ينشرها.
وهنا يظهر كهف أفلاطون من جديد.
فالسجين لا يرى الحقيقة كاملة…
بل يرى جزءًا منها.
والخوارزمية لا تكذب بالضرورة…
لكنها قد تعرض نصف الحقيقة، وتُخفي نصفها الآخر.
وتكرار نصف الحقيقة، مع الزمن، قد يكون أشد خطرًا من الكذب الصريح.
فالخوارزميات لا تسأل: ما الذي يوحد المجتمع؟
بل تسأل: ما الذي يُبقي المستخدم أطول وقت ممكن؟
ولهذا تُكافئ المحتوى المثير، والغاضب، والصادم، لأنه أكثر قدرة على جذب الانتباه، حتى لو كان ثمن ذلك زيادة الاستقطاب، أو تعميق الكراهية، أو إضعاف الثقة بين أبناء الوطن الواحد.
إنها اقتصاديات الانتباه…
حيث تتحول مشاعر الإنسان إلى سلعة، ويصبح الغضب أكثر ربحًا من الحكمة، ويصبح الانقسام أكثر انتشارًا من التوافق.
ومن هنا، فإن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس فقط إعادة إعمار المدن… بل إعادة إعمار الإدراك.
فلا يمكن بناء دولة يتبادل مواطنوها الاتهامات أكثر مما يتبادلون الثقة.
ولا يمكن استعادة السيادة الوطنية إذا ظل الوعي الوطني أسيرًا لروايات متصارعة، وفقاعات رقمية مغلقة، وخطابات لا ترى في الوطن إلا ساحة لتصفية الحسابات.
إن معركة السودان القادمة ليست معركة البنادق… بل معركة استعادة العقل العام.
وهذه المعركة لا تكسبها الجيوش وحدها، بل تكسبها الجامعات، والمدارس، ومراكز البحوث، والإعلام المهني، والمؤسسات الثقافية، ومنصات التربية الرقمية، وكل مشروع وطني يعيد للإنسان قدرته على التفكير قبل التفاعل، وعلى التحقق قبل التصديق، وعلى الحوار قبل الإدانة.
ومن هنا تنطلق رؤية الجسر والمورد.
فالجسر ليس طريقًا بين ضفتين فقط… بل جسرٌ بين الحقيقة والإدراك.
والمورد ليس ثروةً في باطن الأرض فحسب… بل هو الإنسان الذي يمتلك وعيًا حرًا، وعقلًا نقديًا، وانتماءً راسخًا، وقدرةً على مقاومة صناعة الوهم.
فالأمم لا تنهار عندما تخسر معركة… بل عندما تعتاد العيش داخل الكهف.
ولا تستعيد مستقبلها عندما تُطفئ الحرب… بل عندما تخرج من ظلال الخوارزميات إلى نور الحقيقة، ومن أسر الرواية الواحدة إلى رحابة الوعي، ومن الانقسام إلى مشروع وطني يعيد تعريف السودان بوصفه وطنًا يتسع لجميع أبنائه، لا ساحةً دائمةً لصراع الظلال.
وهنا بالضبط #أصل_القضية
يردٍّ على مقال كابتن عادل المفتي معليش… معليش… نحنا عندنا جيش
في لحظةٍ فارقة من تاريخ السودان، وفي زمنٍ تتكاثر فيه العواصف وتشتد فيه المحن، يطل علينا ال…





