‫الرئيسية‬ مقالات شريان الحياة لا تجرفه المحن: عن عمق الرابطة التاريخية بين الشمال والجنوب
مقالات - ‫‫‫‏‫29 دقيقة مضت‬

شريان الحياة لا تجرفه المحن: عن عمق الرابطة التاريخية بين الشمال والجنوب

شيء للوطن م.صلاح غريبة- مصر

Ghariba2013@gmail.com

 

في أوقات الأزمات والتحولات الكبرى، تتجلى العلاقات بين الدول في صورتها الحقيقية، حيث تُسقط الاختبارات القاسية الأقنعة البروتوكولية والجمالية الزائفة، فلا يتبقى في الميدان إلا ما صاغته الجغرافيا وحفره التاريخ في وجدان الشعوب. وإن المتابعة الدقيقة لعمق التواصل والتضامن الإقليمي أثناء المحن الكبرى تبين بوضوح أن المفاهيم الموروثة عن الوحدة والمصير المشترك عبر مجرى النيل ليست مجرد خطابات تُلقى في المحافل الدبلوماسية، بل هي عقيدة سياسية وإنسانية راسخة تتجاوز حدود الأفراد والأزمنة.

إن التعبير العظيم عن أزلية العلاقات عبر وادي النيل لم يكن يوماً محض شعارات تُرفع عند التلاقي، بل أثبتت التجربة الفعلية أنه واقع ملموس صمد في أحلك الظروف وأعتى المحن. حين تضطرب الأرض وتختلط المشاعر بين الخوف والأمل، يبحث الإنسان بطبعه عن الملاذ الآمن والأخ السند، وتلك هي الميزة الناجزة للروابط التاريخية؛ حيث تُفتح الأبواب وتتلاشى الحدود الفاصلة، ليعيش المكلوم بين أهله غير غريب، متقاسماً الهموم والآمال ذاتها بالروح نفسها التي صاغتها الطبيعة قبل أن تُرسخها المواثيق.

وتتجسد أسمى صور التضامن والاحترام في إدراك أن استقرار الدول المجاورة وأمنها هو امتداد طبيعي وأساسي للأمن الإقليمي الشامل. إن احترام الإرادة الوطنية للأنعام المجاورة، والإيمان الكامل بأن القضايا الداخلية لا يُحلّ إشكالها إلا بيد أبنائها، يمثلان الركيزة الأساسية للسياسة الرشيدة. هذا الثبات على موقف العدم التدخل، مع تقديم الدعم غير المشروط للسيادة والمؤسسات الوطنية، يعكس عمق التقدير والنضج الدبلوماسي الذي لا يتزعزع بتغير الظروف الدقيقة أو تقلبات الميدان.

ولم يقتصر هذا الحضور الشقيق على الدعم السياسي المبدئي، بل تجلّى خطوة بخطوة في الحضور الميداني الشجاع. فعندما نأت العديد من البعثات بنفسها وآثرت الابتعاد، آثر التمثيل الدبلوماسي المتبادل الصمود والبقاء، ليكون أول المتواجدين للعمل من داخل الأراضي المتأثرة بالأزمة، في رسالة عملية لا تحتمل التأويل مفادها أن الشراكة والحضور الفعلي هما جوهر العلاقات الحقيقية. ولم يتوقف الأمر عند حدود العمل الدبلوماسي، بل تعداه إلى إعادة شريان التواصل الجوي والحيوي فور إمكانية ذلك، لتُبعث من جديد رسائل الثقة والأمان التي تؤكد أن العزلة أمر مستحيل بين أشقاء المجرى الواحد.

ومع التحول التدريجي نحو الاستقرار وبدء التطلع لمراحل التعمير والبناء، تتجه الأنظار نحو الشريك الأقرب للاستفادة من قدراته التقنية والهندسية في إعادة تشييد ما دمرته الظروف. إن التخطيط للمستقبل يقتضي مد خطوط السكك الحديدية، وتنسيق الربط الكهربائي، وتشييد المشروعات السكنية، وإعادة تأهيل الجسور الحيوية؛ وهي مشروعات استراتيجية لا تُبنى فقط بالإسمنت والحديد، بل بصلابة الإرادة المشتركة التي تسعى لنقل المنطقة بأسرها نحو آفاق أكثر دهشاً وازدهاراً.

إن تبادل المهام والتكريم الدبلوماسي في ختام دورات العمل ليس إلا محطة مستمرة في مسيرة لا تنقطع، فالأشخاص يروحون ويجيئون، والمناصب تتغير، لكن المبدأ يظل ثابتاً. إن انتقال الكفاءات الدبلوماسية لإدارة ملفات أعلى وأوسع نطاقاً يمثل امتداداً طبيعياً لجهود مخلصة بُذلت في أصعب الأوقات، ويفتح آفاقاً أرحب لعمل مشترك يحفظ للمنطقة توازنها وللشعوب رفاهيتها. وتبقى الحقيقة الناصعة أن نهر النيل، الذي ظل يجري لألاف السنين، لم يعرف يوماً كيف يفرق بين ضفتيه، ولن تزيد المحن هذا الشريان إلا تدفقاً وقوة.

‫شاهد أيضًا‬

غنائم الفرسان وبشائر الحسم في كردفان

جاء في التقرير العسكري للقوات المسلحة السودانية بشأن تحرير مناطق شمال كردفان أن حجم الغنائ…