زفة المولد النبوي بحلفاية الملوك … أنوار تتلألأ وقلوب تتسامى
عبد الكريم ابراهيم

في مشهد روحاني مهيب ، انتظمت مدينة حلفاية الملوك الأربعاء الموافق 12/8/2026 زفة كبرى لمولد المصطفى ﷺ، حيث توافدت جموع العلماء والأئمة والشيوخ والطرق الصوفية ، رجالًا ونساءً ، شيوخًا وشبابًا ، وأطفالًا من داخل الحلفاية وخارجها ، ليشكلوا لوحة بديعة تفيض بالحب والحنين ، وتتماوج فيها أصوات التكبير والتهليل مع طبول الفرح ومدائح المصطفى ﷺ في مشهد لم ترَ العين مثيله من قبل.
ولله در من قال :
ولد الهدى فالكائنات ضياء ✦ وفم الزمان تبسّم وثناء
أفضل منك لم ترَ قط عيني ✦ وأجمل منك لم تلد النساء
وقد تقدمت المسيرة الظافرة التي انطلقت بدايتها من زواية رابطة الطريقة الختمية الشرقية بحلفاية الملوك بعد مراسم الإستقبال والضيافة وآداء صلاة العصر بمسجد الزاوية والتي جابت أحياء الحلفاية وشوارعها وميادينها المختلفة كوكبة من الرموز والأعيان ، يتقدهم فضيلة مولانا القامة عبد الرؤوف أحمد موسى مرشد الطريقة الختمية بالحلفاية ، وفضيلة مولانا الرمز كمال عجيب عن اهالي العبدلاب المانجلك ، ود.أحمد عبد الحفيظ ، وغيرهم من أهل العلم والفضل ، ليكونوا شهودًا على هذا العرس الروحي الذي جمع القلوب على محبة النبي الكريم ﷺ.
إن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف ليس بدعة كما يظن البعض ، بل هو امتداد لعصور إسلامية وعربية عظيمة رسّخت هذه المناسبة في وجدان الأمة ، فقد ارتبطت ذكرى المولد في العهد الأموي بحلقات العلم والذكر ، وفي العهد الفاطمي اتخذت شكلًا رسميًا تُقام فيه المواكب وتوزع فيه الصدقات وتُزين المدن بالأعلام والأنوار . أما في العهد الأيوبي والمملوكي فقد تطورت الاحتفالات لتشمل حلقات الذكر والمدائح النبوية ، وأصبحت ساحات المولد ملتقى للعلماء والمتصوفة ، وفي العهد العثماني بلغت الاحتفالات ذروتها ، حيث كانت تُقام في المساجد الكبرى وتُتلى فيها القصائد النبوية مثل (البردة) للإمام البوصيري ، مما جعل المولد جزءًا من الهوية الدينية للدولة ، ولم تقتصر هذه الاحتفالات على السودان ، بل امتدت إلى دول عربية وإسلامية مثل مصر التي تتزين شوارعها منذ قرون بأضواء المولد ، وتُقام فيها الأسواق الشعبية التي تعرض (حلاوة المولد) و الحصان للولد والعروسة للبنت ، لتكون رمزًا للفرح والبهجة ، وكذلك في المغرب والشام واليمن حيث تتعانق حلقات الذكر مع المدائح النبوية ، وتتحول المدن إلى ساحات نورانية تحتفي بمولد خير البرية ﷺ ، كيف لا وقد امتدح الله سبحانه وتعالى نبيه الكريم حين قال تعالى (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) فكان مولده الشريف رحمة للعالمين ، وبهجة للقلوب ، ونورًا أضاء الدنيا بأسرها ، بل إن الروايات تذكر أن عمّه أبا لهب يُخفف عنه العذاب يوم الاثنين من كل أسبوع ، لأنه فرح حين بُشّر بميلاد النبي ﷺ وأعتق جاريته ثويبة فرحًا بذلك ، مما يدل على أن الفرح بميلاد الرسول الكريم ﷺ له أثر عظيم عند الله تعالى .
وفي السودان ، ارتبط المولد النبوي بالقبائل والعشائر التي جعلت منه مناسبة للتلاقي والتآلف ، حيث أقامت قبائل الجعليين والشايقية والدناقلة وغيرها حلقات الذكر والمدائح في ساحات القرى ، ووزعت الطعام والشراب على الفقراء والمساكين ، وأضافت قبائل البجا والنوبيين طابعها الخاص عبر الأهازيج الشعبية والطبول ، مما جعل المولد مناسبة تتداخل فيها الروح الإسلامية مع التراث المحلي.
أما في أم درمان والخرطوم فقد تحولت ساحات الخليفة إلى مركز رئيس للاحتفالات ، حيث امتزجت حلقات الذكر بالمدائح النبوية ، وأصبحت الأسواق المؤقتة تعج بـ (حلاوة المولد) وألعاب الأطفال ، مما رسّخ المولد كجزء من الهوية الثقافية السودانية ، وكانت الزفة أشبه ببحر من نور ، تتلاطم فيه أمواج المحبة ، وتتعانق فيه الأرواح على بساط الذكر ، لتعلن أن مولد الحبيب المصطفى ﷺ ليس مجرد مناسبة ، بل هو تجديد للعهد والتمسك بالكتاب والسنة ، وإحياء للروح ، وتأكيد على أن السودان سيظل أرضًا للسلام والمحبة والطمأنينة ، بعيدًا عن ويلات الحرب البغيضة .
هذا ومن المقرر أن تستمر هذه الاحتفالات المباركة لشهرين متتابعين كل في موقعه ، لشهري ربيع الأول وربيع الآخر ، لتظل الحلفاية والسودان منارةً للذكر والابتهال ، وميدانًا للفرح والوصال .
وكل عام وأنتم بخير ، في ظل أنوار المصطفى ﷺ ، وبركات مولده الشريف .
السعودية تجدد دعمها لوحدة السودان وسيادته واستقراره
التقى معالي رئيس الوزراء بروفيسور كامل إدريس اليوم بمكتبه سعادة سفير الملكة العربية السعود…





