‫الرئيسية‬ مقالات فيسبوك بين التحيز والرقابة
مقالات - ‫‫‫‏‫25 دقيقة مضت‬

فيسبوك بين التحيز والرقابة

نقطةإرتكاز  د.جادالله فضل المولي 

في مشهد يثير الكثير من علامات الاستفهام حول مستقبل حرية الإعلام وحق الشعوب في التعبير، أقدمت شركة “فيسبوك” عبر مكتبها في بريطانيا على خطوة مثيرة للجدل تمثلت في حظر أكثر من ثلاثمائة وخمسون ألف حساب ، وهي خطوة لا علاقة لها بمعايير المجتمع التي تدّعي المنصة الالتزام بها، بل جاءت لأسباب سياسية وأمنية بحتة مرتبطة بخدمة أجندات إقليمية محددة.

 

هذا القرار الذي استهدف أصواتاً كانت تندد بالدور الإماراتي في إرسال السلاح إلى مليشيات الدعم السريع، ويشجب صمت المجتمع الدولي، يعكس بوضوح حجم التداخل بين رأس المال والسياسة في فضاء الإعلام الرقمي، ويطرح تساؤلات جدية حول مصداقية المنصات التي تدّعي الحياد بينما تنحاز في الواقع إلى مصالح بعينها.

 

إن ما قامت به “فيسبوك” لا يمكن النظر إليه بمعزل عن السياق الأوسع للصراع في السودان، حيث تحولت المنصة إلى أداة ضغط تُستخدم لإسكات الأصوات المعارضة وتقييد حرية التعبير، وهو ما يتناقض مع المبادئ التي تأسست عليها فكرة الإعلام الحر والتنوع الثقافي. فحين تُغلق الحسابات بالجملة دون مبررات واضحة، وحين يُستهدف الناشطون والصحفيون الذين يفضحون التدخلات الخارجية، فإننا أمام حالة من الرقابة المقنّعة التي تُمارس باسم “المعايير” بينما هي في حقيقتها انحياز لرأس المال الإماراتي وتأمين لمصالحه في المنطقة.

 

الخطورة لا تكمن فقط في عدد الحسابات المحظورة، بل في الرسالة التي يبعثها هذا الفعل: أن المنصات الكبرى يمكن أن تتحول إلى أدوات سياسية بيد القوى الاقتصادية، وأن حرية التعبير ليست سوى شعار يُرفع حين يخدم مصالح معينة ويُسقط حين يتعارض معها. هذا الواقع يفرض على المجتمع الدولي، وعلى المؤسسات الحقوقية، أن تعيد النظر في دور شركات التكنولوجيا العملاقة، وأن تضع ضوابط تضمن عدم استخدامها كأذرع ضغط سياسي أو أدوات قمع رقمي.

 

لقد أثبتت التجربة أن الإعلام الرقمي لم يعد مجرد فضاء للتواصل الاجتماعي، بل أصبح ساحة صراع تتقاطع فيها المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية. وما حدث هو مثال صارخ على هذا التداخل، حيث تحولت “فيسبوك” من منصة للتعبير إلى منصة للرقابة، ومن فضاء مفتوح إلى أداة إقصاء. إن هذا السلوك لا يسيء فقط إلى سمعة الشركة، بل يهدد مستقبل الإعلام الحر ويقوّض ثقة المستخدمين في المنصات التي يفترض أن تكون محايدة.

 

إننا أمام مشهد مؤسف ومخجل، لكنه في الوقت ذاته يكشف حقيقة طالما حاولت هذه الشركات إخفاءها: أن الحياد المزعوم ليس سوى واجهة تخفي وراءها مصالح اقتصادية وسياسية. وما لم يتم التصدي لهذا النهج، فإننا سنشهد المزيد من حالات التحيز والرقابة، وسيتحول الإعلام الرقمي إلى أداة بيد القوى المهيمنة، بدلاً من أن يكون صوتاً للشعوب ووسيلة للتعبير الحر.

meehad74@gmail.com

‫شاهد أيضًا‬

البرهان : في جامعة الخرطوم..

** أفرح من قلبي لكل خطوة تؤكد صمود أهل السودان في مواجهة مؤامرة صهيونية استهدفت استقرارهم …