السودان.. المسرح سلاح مهم
أصل_القضية | من سلسلة الجسر والمورد د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

في المقال السابق قلنا إن الحقيقة في السودان أصبحت يتيمة في ملجأ بلا سقف تاهت بين الروايات وتشظت بين المنصات وأصبح كل طرف يملك حقيقةً تشبهه، ويعرضها بالطريقة التي تخدم موقعه من الصراع.
لكن ماذا يحدث عندما تصبح الحقيقة محاصرة في الأخبار؟
ماذا يحدث عندما تعجز الصورة الصحفية عن قول كل شيء؟
وعندما يصبح الشاهد خائفًا؟
والوثيقة مخفية؟
والرواية أقوى من الواقعة؟
هنا…
لا بد أن تبحث الحقيقة عن خشبة.
*المسرح لا يصنع الواقع… بل يكشفه*
المسرح في جوهره ليس اختراعًا للواقع إنه انعكاس له.
قد يغير أسماء الشخصيات، وقد يختصر الزمن، وقد يعيد ترتيب الأحداث، لكنه لا يستطيع أن يخترع الإنسان من فراغ.
فالخوف الذي يظهر على الخشبة كان موجودًا في مكان ما.
والجوع الذي يرويه الممثل عرفه إنسان.
والنزوح الذي نشاهده في المشهد عاشته أسرة.
والفقد الذي يصرخ به الأب على الخشبة له نظير في بيتٍ ما.
ولهذا فإن المسرح حين يكون صادقًا لا يهرب من الواقع…
بل يعيده إلينا لكن بصورة تجعلنا نراه.
وهنا تكمن قوته.
*عندما تفشل الأخبار في جعلنا نشعر*
يمكن للصحفي أن يقول نزح آلاف الأشخاص، وقد تكون الجملة صحيحة وقد يكون الرقم دقيقًا.
لكن المسرح يستطيع أن يضع أمامك امرأة تحمل طفلها، تبحث عن بيت لم يعد موجودًا.
هنا يتحول الرقم إلى إنسان وتتحول الإحصائية إلى وجه.
وتتحول الكارثة من معلومة إلى تجربة.
وهذه ليست منافسة بين الصحافة والفن بل اختلاف في وظيفة كل منهما.
الصحافة تقول: ماذا حدث؟
والبحث العلمي يسأل: لماذا حدث؟
والوثيقة تثبت: هل حدث فعلًا؟
> أما المسرح فيسأل الإنسان: ماذا يعني أن يحدث هذا لك؟
ولهذا فإن الحقيقة لا تحتاج إلى الصحافة وحدها ولا إلى الوثيقة وحدها إنها تحتاج أيضًا إلى أن تُعاش في الوعي.
*من الحقيقة الموثقة إلى الحقيقة المرئية*
في عالم يمتلئ بالمعلومات، قد لا تكون المشكلة أن الناس لا يعرفون بل أنهم لا يرون.
قد يعرف السوداني أن هناك ملايين النازحين لكنه لا يرى دائمًا ماذا يعني أن تفقد بيتك.
قد يعرف أن هناك أطفالًا انقطعت بهم سبل التعليم لكنه لا يرى بالضرورة طفلًا يحمل حقيبته القديمة، ولا يعرف أين سيجلس غدًا.
قد يعرف أن الحرب خلفت جراحًا عميقة لكنه لا يرى الإنسان الذي يعيش بجسده وذاكرته مع تلك الجراح.
وهنا يستطيع المسرح أن يقوم بوظيفة شديدة الأهمية أن يجعل الحقيقة مرئية
فما عجزت الكلمات عن شرحه، قد يشرحه مشهد.
وما عجز التقرير عن جعله محسوسًا، قد تجعله شخصية واحدة حاضرًا في وجدان الجمهور.
*فرض الحقيقة بالفن*
الفن لا يفرض الحقيقة بإجبار الناس على تصديق رواية بل يفرض وجود السؤال والحقيقة في المجال العام.
حين تعرض مسرحية قصة أسرة فقدت منزلها، فإنها لا تجبرك على تفسير الحرب بطريقة محددة.
لكنها تمنعك من القول إن النزوح مجرد رقم.
وحين تعرض مسرحية قصة طفل عاش الحرب، فإنها لا تفرض عليك موقفًا سياسيًا لكنها تجعل من الصعب أن تنسى أن للحرب أطفالًا يدفعون ثمنها.
وحين يظهر على الخشبة جندي يحمل ذاكرةً ممزقة، ومدني يبحث عن ابنه، ونازح يحاول العودة، فإن الفن لا يقول لك صدّق هذه الرواية ، بل يقول لك انظر… هذه أيضًا حقيقة.
وهنا تكمن قوة الفن…
إنه لا يفرض تفسيرًا واحدًا للواقع…بل يمنع الواقع من أن يُمحى.
*المسرح مرآة… لكنه ليس مرآة صامتة*
المرآة العادية تعكس وجهك أما المسرح فيعكس ما وراء الوجه.
يعرض الخوف الذي لا يظهر.
والتناقض الذي نخفيه.
والأسئلة التي نخشى طرحها.
والجرح الذي نتظاهر بأنه شُفي.
ولهذا كان المسرح تاريخيًا مساحةً يستطيع فيها المجتمع أن يرى نفسه وهو يراقب نفسه.
وقد تكون هذه الوظيفة أكثر أهمية في السودان اليوم من أي وقت مضى لأننا أصبحنا نعيش داخل روايات متوازية.
كل طرف يرى نفسه ضحية.
وكل طرف يرى الآخر مذنبًا.
وكل طرف يملك تفسيره.
لكن المسرح يستطيع أن يضع الجميع على خشبة واحدة.
لا ليجعلهم متساوين في المسؤولية بالضرورة…
بل ليجعل الإنسان حاضرًا أمام الإنسان.
*من (من قال الحقيقة؟ ) إلى (ماذا حدث للإنسان؟)*
هذه هي النقلة التي نحتاجها فبعد الحرب، سيكون هناك صراع هائل على الرواية.
من بدأ؟
من أخطأ؟
من انتصر؟
من خسر؟
من كان على حق؟
وهي أسئلة مهمة.
لكن هناك سؤالًا لا ينبغي أن يضيع بينها:
ماذا حدث للإنسان السوداني؟
المسرح يستطيع أن يحمل هذا السؤال
لأنه لا يحتاج إلى أن يكون قاضيًا.
ولا إلى أن يكون سياسيًا.
يمكنه أن يكون شاهدًا.
والشاهد أحيانًا أخطر من الخطيب.
لأنه لا يطلب منك أن تصفق…
بل يجعلك ترى.
*الفن يستطيع أن يحفظ ما قد تنساه السياسة*
السياسة تتغير.
الحكومات تتغير.
التحالفات تتغير.
الروايات الرسمية تتغير.
لكن العمل الفني يستطيع أن يبقى ولهذا فإن مسرحية جيدة عن الحرب قد تكون بعد عشرين عامًا وثيقةً اجتماعية لا تقل أهمية عن تقرير سياسي سيشاهدها جيل لم يعش الحرب.
وسيسأل:
كيف كان الناس يفكرون؟
كيف كانوا يخافون؟
كيف كانوا يحبون؟
كيف كانوا يفقدون؟
كيف كانوا يحلمون؟
وهنا يصبح المسرح أرشيفًا حيًا للذاكرة السودانية لا يحفظ التاريخ في الورق فقط…بل يحفظه في المشاعر.
*حين يصبح الفن جسرًا ضد الكراهية*
هنا نصل إلى أخطر ما يمكن أن يفعله المسرح في السودان اليوم.
أن يهزم خطاب الكراهية بلغته هو.
خطاب الكراهية يقوم على التجريد:
«هؤلاء».
«أولئك».
«هم».
«نحن».
يحوّل الإنسان إلى جماعة.
ويحوّل الجماعة إلى تهمة.
ويجعل المختلف كتلةً بلا وجه.
أما الفن فيفعل العكس.
إنه يعيد الوجه إلى الإنسان.
يمنح الاسم لصاحب القصة.
والصوت لمن فقد صوته.
ويجعلنا نكتشف أن الشخص الذي قيل لنا إنه «آخر»…
قد يكون أبًا يشبه آباءنا.
وأمًا تشبه أمهاتنا.
وطفلًا يشبه أطفالنا.
وهنا يفقد خطاب الكراهية أحد أهم أسلحته:
التجريد.
فكيف تكره إنسانًا بعد أن رأيت ألمه؟
وكيف تختصره في قبيلة أو جهة أو منطقة بعد أن عرفت قصته؟
وكيف تنظر إليه باعتباره عدوًا مطلقًا بعد أن رأيت إنسانيته؟
لهذا أقول:
الفن والمسرح لغةٌ تتغلب على خطاب الكراهية، لأنها تخاطب الإنسان قبل انتمائه.
*إلى مبدعي بلادي…*
ومن هنا، فإن هذا المقال لا يريد أن يبقى مقالًا.
إنه دعوة.
دعوة إلى مبدعي بلادي…
إلى الفنانين والمسرحيين والكتاب والمخرجين والموسيقيين وكل من يؤمن بأن الثقافة ليست هامشًا في حياة الأمم.
دعوة إلى أسماء سودانية صنعت من الإبداع مساحةً للحياة، وفي مقدمتهم خليفة حسن بلة، وإخلاص نور الدين، وأبوبكر الشيخ، وغيرهم كثير ممن تطول بهم القائمة، وتضيق بهم مساحة المقال.
لا أريد منهم أن يصنعوا مسرحًا للحرب.
بل أن يصنعوا مسرحًا للحقيقة.
مسرحًا يرى الإنسان قبل الخندق.
ويكشف الجرح قبل الشعار.
ويحفظ الذاكرة قبل أن تبتلعها الروايات.
ويضع السوداني أمام سوداني آخر…
لا باعتباره خصمًا،
بل باعتباره إنسانًا.
إننا نحتاج إلى أعمال مسرحية جديدة تسأل:
ماذا فعلت الحرب بنا؟
ماذا فعل النزوح بالأسر؟
ماذا فعلت الكراهية بالمجتمع؟
ماذا حدث للطفولة؟
ماذا حدث للمدرسة؟
ماذا حدث للجار؟
ماذا حدث لفكرة الوطن نفسها؟
والأهم:
كيف نستعيد إنسانيتنا قبل أن نحاول استعادة دولتنا؟
*رسالة إلى رئيس مجلس السيادة ورئيس مجلس الوزراء ووالي الخرطوم*
نطرح عبر رؤية الجسر والمورد:
«مسرح الخرطوم للسلام المجتمعي واستعادة الحقيقة».
مبادرة لا تنظر إلى المسرح بوصفه فعالية احتفالية، وإنما باعتباره أداة اجتماعية لإعادة بناء الإنسان والذاكرة والثقة.
يمكن أن تبدأ بعروض مسرحية مجتمعية في الأحياء والمراكز ودور الإيواء، ثم تنتقل إلى المدارس ومراكز الشباب والمساحات الثقافية، وتستفيد من تجارب المبدعين السودانيين في تحويل قصص الناس إلى أعمال فنية مسؤولة.
مسرحٌ يستمع إلى النازح.
ويستمع إلى العائد.
ويستمع إلى المرأة.
ويستمع إلى الطفل.
ويستمع حتى إلى من عاش التجربة من موقع مختلف.
لا ليبرئ أحدًا.
ولا ليدين أحدًا.
ولا ليصنع رواية رسمية.
بل ليمنح المجتمع مساحةً آمنة ليقول: هذه قصتي.
#أصل_القضية،،،
إذا كانت الحرب الحالية قد بنت جدرانًا بين السودانيين…
فلماذا لا نبني بالفن جسورًا فوقها؟
وإذا كان خطاب الكراهية قد جعل الإنسان يرى أخاه من خلال هويته ومنطقته و… و…
فلماذا لا يجعل المسرح الإنسان السوداني يرى أخاه السوداني من خلال إنسانيته؟
وهنا بالضبط #أصل_القضية
البرهان : في جامعة الخرطوم..
** أفرح من قلبي لكل خطوة تؤكد صمود أهل السودان في مواجهة مؤامرة صهيونية استهدفت استقرارهم …




