اقتصاد التعافي والدبلوماسية الإقليمية: خريطة طريق عربية لإعادة إعمار السودان
شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com
تتداخل الأبعاد السياسية والإنسانية والاقتصادية في اللحظات التاريخية الفارقة التي تمر بها الدول المشتبكة مع أزمات هيكلية معقدة، ليصبح العمل الدبلوماسي والمؤسسي متعدد الأطراف أحد أهم أدوات تجاوز تداعيات الصراع وبناء أسس الاستقرار المستدام. وفي هذا السياق، تبرز تحركات الممثليات الدبلوماسية للسودان في الحراك الإقليمي الأخير بالقاهرة كخطوة خطة منهجية للربط بين العمل السياسي الجامع وبين التخطيط الاقتصادي والتنموي للمرحلة القادمة.
إن القراءة التحليلية للمشاورات واللقاءات التي جرت في أروقة بيت العرب ومؤسساته التخصصية تكشف عن تحول محوري في استراتيجية التعاطي مع الملف السوداني؛ إذ لم يعد التركيز مقتصراً على الاحتواء السياسي والأمني فحسب، بل امتد ليرسم ملامح مرحلة جديدة أساسها “اقتصاد التعافي” وبناء الشراكات التنموية الشاملة.
تشكل المخرجات السياسية الصادرة عن الأمانة العامة لجامعة الدول العربية مرتكزاً حيوياً في دعم الشرعية والحفاظ على كيان الدولة الوطنية. إن تأكيد المظلة العربية الإقليمية على ثوابت احترام سيادة السودان ووحدة أراضيه وسلامتها الإقليمية يبعث برسالة قوية ومباشرة مفادها أن استقرار السودان يُعد ركناً أساسياً لا تجزئة فيه للأمن القومي العربي.
ولعل الأهمية الاستراتيجية لهذا الموقف تتجلى في عدة نقاط تشمل: حماية مؤسسات الدولة والتشديد الإقليمي المباشر على ضرورة الحفاظ على المؤسسات الوطنية ومنع انهيار الكوادر والإدارات الخدمية، مما يضمن استمرارية تقديم الخدمات الأساسية وحفظ النظام العام، ومنح الأولوية للملف السوداني ووضع التطورات السودانية في صدارة أجندة العمل العربي المشترك، وتوجيه القطاعات والإدارات المختصة نحو الاستجابة السريعة لمستجدات الأوضاع، بالإضافة إلى الدبلوماسية الإنسانية والصحية وتوجيه أجهزة المنظمة الإقليمية لتكثيف التعاون وتطوير الاستجابة للاحتياجات الإنسانية والصحية، مما ينقل الدبلوماسية من أطرها النظرية إلى مداها الميداني المباشر لتخفيف معاناة المواطنين.
إذا كانت الدبلوماسية السياسية تضع الإطار الحاكم للسيادة والأمن، فإن بيت الخبرة الاقتصادي العربي والأجهزة التابعة له يمثلون المحرك الميداني لتحقيق الاستقرار التنموي. لقد أظهرت المشاورات الأخيرة مع أجهزة التكامل الاقتصادي العربي وعياً متقدماً بضرورة التخطيط المبكر لمرحلة ما بعد الصراع، من خلال الانخراط الفعلي في ملفات إعادة الإعمار.
ويتضح هذا المسار التنموي المتكامل من خلال محورين رئيسيين: البنية التحتية والنقل الذكي، ويمثل التعاون الوثيق بين المؤسسات الاقتصادية العربية والقطاعات الوزارية المعنية بالبنى التحتية والنقل ركيزة جوهرية لإعادة شريان الحياة للاقتصاد السوداني. وقد أثبتت المبادرات الحديثة — وفي مقدمتها تنظيم المنتديات المتخصصة في مجال النقل الذكي بالعاصمة القومية الخرطوم — أن الرغبة الإقليمية في إعادة بناء الشرايين الاقتصادية للبلاد تتجاوز التمني إلى التطبيق الميداني. النقل واللوجستيات هما المحرك الأساسي لتسهيل حركة التجارة، وإعادة توزيع السلع، وتسهيل وصول المساعدات، وتأسيس قاعدة صلبة لمشروعات الاستثمار القادمة.
ولا يكتمل التخطيط للتعافي الاقتصادي دون إعداد العنصر البشري وتأهيله للتعامل مع متطلبات المرحلة. وفي هذا الصدد، يكتسب إتمام البرامج التدريبية المتقدمة للكوادر السودانية في مجالات حيوية دلالة استراتيجية بالغة، تشمل إدارة التمويل الشامل وإكساب المتدربين المهارات الحديثة في التخطيط المالي وتعبئة الموارد لتغطية كلفة الإعمار، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)، باعتماد نموذج الشراكة كخيار استراتيجي لتخفيف العبء عن الخزانة العامة وجذب رؤوس الأموال العربية والدولية، وتنمية الصادرات الوطنية، بإعداد استراتيجيات عملية لزيادة تنافسية الصادرات السودانية في الأسواق العربية والدولية لرفد الاقتصاد بالعملات الأجنبية.
إن الحراك الدبلوماسي والاقتصادي المكثف يشير إلى أن السودان يتطلع إلى دور إقليمي فاعل ومستدام، يستند إلى تقوية أجهزة العمل العربي المشترك واستدامة الانفتاح على الشركاء الإقليميين والدوليين. ويمكن تلخيص الملامح العامة لمستقبل هذا التعاون في نقاط، تشمل ضرورة مأسسة الشراكة وتحويل المبادرات الفردية والمنشورات إلى خطط عمل زمانية ومكانية محددة تشارك فيها الاتحادات العربية المتخصصة، بالاضافة الى جذب الاستثمارات التنموية وإيجاد بيئة تشريعية وإدارية جاذبة تنطلق من مقومات السودان الزراعية والتعدينية واللوجستية، لتكون حجر الزاوية في بناء سوق عربية مشتركة، ثم مرحلة التكامل المؤسسي وربط الاحتياجات الميدانية للحكومة الوطنية بالإمكانيات الفنية والتمويلية التابعة لمؤسسات المنظمة الإقليمية، مما يسرع من وتيرة تنفيذ المشروعات ذات الأولوية.
إن التحركات الدبلوماسية السودانية الأخيرة تشكل نموذجاً متكاملاً لما ينبغي أن تكون عليه العلاقات العربية-العربية في أوقات الأزمات. إن الربط المحكم بين الدعم السياسي المستند إلى احترام السيادة الوطنية، وبين التعاون الاقتصادي الشامل المستهدف لبناء القدرات وإعادة الإعمار، يوفر خارطة طريق عملية ليس فقط للعبور بالسودان نحو بر الأمان، بل ولتعزيز منظومة العمل العربي المشترك برمتها تجسيداً لمفهوم التضامن الفعلي القائم على المصالح الحيوية والتنمية المستدامة.
السودان المنقسم: كيف تصنع التقارير الكاذبة ” سياسةالأمر الواقع”؟
_تفنيد تقرير مجموعة الأزمات الدولية وسياقه في مشروع محاولة تفكيك الدولة_ في أغسطس 2…





