‫الرئيسية‬ مقالات الحارث إدريس لم يكذب ولكن الخصومة لا تقرأ التاريخ
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعة واحدة مضت‬

الحارث إدريس لم يكذب ولكن الخصومة لا تقرأ التاريخ

خواطر ابن فضل د. محمد فضل محمد

هناك صخبٌ واسع واتهاماتٌ متصاعدة على وسائل التواصل الاجتماعي تطال سفير السودان ومندوبه الدائم لدى الأمم المتحدة، الحارث إدريس، وتتهمه بالكذب على خلفية حديثه الأخير. ولا أدري لماذا كل هذا الصراخ، وكأن الرجل اختلق واقعة من عنده أو جاء بتاريخ جديد للأزمة السودانية.
*فالحارث، في جوهر حديثه، أشار إلى واقع سياسي معلوم، وهو أن رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، بعد عودته إلى منصبه، قدّم استقالته بنفسه، وأن البلاد دخلت بعد ذلك في فراغ على مستوى قيادة السلطة التنفيذية، فتولى الجيش إدارة الدولة في تلك المرحلة، قبل أن تتشكل لاحقًا الحكومة المدنية الحالية.* وهذه وقائع يمكن أن نختلف في تفسيرها السياسي أو تكييفها الدستوري، لكن لا يصح أن يتحول مجرد ذكرها إلى تهمة بالكذب.

 

*ومن يسخر قائلًا: إذا كانت الحكومة قد انتهت، فلماذا لم يقدم الوزراء استقالاتهم؟ فإنه يخلط بين استقالة الوزير منفردًا وبين انتهاء الحكومة التي يرأسها رئيس مجلس الوزراء.* فرئيس الوزراء ليس *مجرد وزير ضمن مجموعة وزراء، بل هو رئيس الحكومة ورأس جهازها التنفيذي، والحكومة مرتبطة برئاسته وتكليفه. ولذلك فإن استقالة رئيس الوزراء تعني انتهاء الحكومة التي يرأسها بصورتها السياسية، ولا يُشترط أن يقدم كل وزير استقالة منفصلة حتى يقال إن حكومة رئيس الوزراء المستقيل قد انتهت.* وقد يستمر بعض الوزراء في تسيير الأعمال إلى حين ترتيب الوضع التنفيذي الجديد، لكن هذا شيء، والقول إن الحكومة السابقة بقيت قائمة بكامل وضعها السياسي والدستوري شيء آخر.
والوقائع هنا واضحة: بعد إجراءات 25 أكتوبر 2021، عاد حمدوك إلى رئاسة الوزراء بموجب الاتفاق السياسي في 21 نوفمبر، ثم قدّم استقالته بنفسه في 2 يناير 2022. ومنذ تلك اللحظة دخلت البلاد في أزمة وفراغ في قيادة السلطة التنفيذية، وتولى الجيش إدارة الدولة خلال المرحلة التالية.
ومن ثم، فعندما يتحدث الحارث عن أن الجيش ملأ الفراغ الذي نشأ بعد استقالة حمدوك، فإنه يتحدث عن مرحلة لاحقة لاستقالة رئيس الوزراء، وليس بصدد إنكار كل ما وقع في 25 أكتوبر. *وهنا مكمن الخلط عند بعض منتقديه.* *فلا يصح أن نستدعي مظاهرات خرجت احتجاجًا على إجراءات 25 أكتوبر، ثم نجعلها دليلًا على نفي واقعة حدثت في 2 يناير من العام التالي.* *المظاهرات شيء، واستقالة حمدوك اللاحقة شيء آخر.*

 

ومن أراد *أن يثبت أن الحارث كذب، فعليه أن يجيب عن أسئلة بسيطة: هل أُعيد حمدوك إلى منصبه بعد أحداث 25 أكتوبر؟ نعم. هل مارس مهامه رئيسًا للوزراء بعد عودته؟ نعم. هل أقاله الجيش مرة أخرى في يناير؟ لا. هل أعلن حمدوك بنفسه استقالته في خطاب متلفز؟ نعم.*
إذن *أين الكذب في القول إن استقالة رئيس الوزراء أدت إلى فراغ في قيادة السلطة التنفيذية؟*

يمكن أن نختلف حول شرعية ما حدث بعد ذلك، وحول الأساس الدستوري الذي استند إليه الجيش، وحول طريقة إدارة المرحلة، وهذه كلها مسائل قابلة للنقاش. لكن الخلاف في التكييف السياسي أو الدستوري لا يحوّل الواقعة التاريخية إلى كذبة.

*أما القول إن الوزراء لم يقدموا استقالاتهم، ولذلك ظلت حكومة حمدوك قائمة، فهو استدلال لا يستقيم؛ لأن الحكومة لا تبقى «حكومة حمدوك» بعد أن استقال حمدوك نفسه من رئاستها. وما قد يبقى من وزراء لتسيير بعض شؤون الدولة لا يعني استمرار الحكومة بذات التفويض والقيادة السياسية.*

 

*ثم تطورت الأوضاع بعد ذلك إلى أن تشكلت السلطة التنفيذية المدنية الحالية برئاسة رئيس مجلس الوزراء، بما يؤكد أن المرحلة التي أعقبت استقالة حمدوك كانت مرحلة انتقال وإعادة تشكيل للسلطة التنفيذية.*

 

*لذلك كان الأولى بمن أراد الرد على الحارث إدريس *أن يناقش التكييف الدستوري والسياسي الذي طرحه، بدل المسارعة إلى اتهامه بالكذب والسخرية منه*.
*فالوقائع لا تتغير بالصراخ، ولا تصبح الاستقالة إقالة لمجرد أن الاعتراف بها لا يخدم رواية سياسية بعينها.*
نختلف مع الحارث أو نتفق معه، *لكن الإنصاف يقتضي أن ننسب إليه ما قاله في سياقه، وأن نناقش حجته بالحجة، لا أن نصنع من كلامه قولًا آخر ثم نحاكمه عليه.*

‫شاهد أيضًا‬

إبلدة الحاجبين

في الواقع ، ثمة أمر يحيرني ولم أستطع تفسير أسباب حدوثه ؛ إذ أرى (بعض) النساء ـ لا كلهن حتم…