‫الرئيسية‬ مقالات حروب الرصاص والكلمة: عن التضليل وخطاب الكراهية في السودان
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعة واحدة مضت‬

حروب الرصاص والكلمة: عن التضليل وخطاب الكراهية في السودان

شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com

 

عندما تشتعل الحروب وتستعر النزاعات المسلحة، تتجه الأنظار تلقائياً نحو خطوط التماس، وأزيز الرصاص، ودوي الانفجارات؛ لكونها المظهر الأكثر دموية وإيلاماً للواقع المعيش. بيد أن الرصد العميق لمسار الصراع الدائر في السودان يكشف عن وجه آخر لا يقل خطورة وفتكاً عن السلاح التقليدي، يتمثل في الحرب الخفية و الممنهجة التي تدور رحاها في الفضاءات الرقمية والمنصات الإعلامية. لم يعد العنف يقتصر على المواجهات الميدانية، بل امتد ليشمل البيئة الإعلامية الرقمية، حيث تحولت الأخبار الزائفة وخطابات التحريض والكراهية إلى وقود يومي يغذي الصراع ويُعيد رسم خريطة الانقسام الاجتماعي على أسس طائفية أو مناطقية مقيتة.

إن الخطورة الكامنة في تزييف الحقائق ونشر الشائعات لا تقف عند حدود المعارك الكلامية المؤقتة، بل تتعداها إلى تشويه الإدراك الجمعي وتسميم البيئة الاجتماعية. فالأخبار الزائفة والمعلومات غير الموثوقة الموجهة بذكاء خبيث تُفرز حالة حادة من الاستقطاب، وتعمل على تعميق الشروخ والتمزقات داخل المجتمعات. وحينما تُمارَس عمليات الشيطنة المتبادلة وتُغذى النزعات الإقصائية عبر منصات التواصل، يُصبح المواطن البسيط ضحية لتوجيه عاطفي يُفصله عن واقع الحقائق الصلبة، مما يجعل من الصعب تجسير الفجوات أو الحديث عن أي أفق للحل السلمي والتعايش المشترك.

هذا الامتداد الرقمي للعنف يحول الفضاءات المفتوحة إلى ساحات للاقتتال اللفظي والمعنوي، حيث تُجيّش الحسابات وتُبتدع الروايات وتُزيف المقاطع المرئية لتأجيج مشاعر الخوف والذعر. وفي ظل واقع يفتقر إلى الأمان الميداني أصلاً، يجد الأفراد أنفسهم محاصرين بخوف مضاعف: خوف على الحياة المادية وخوف من المجهول الذي يصنعه التضليل الإعلامي.

“إن محاربة المعلومات المضللة لا تقتصر على تكذيب الخبر الشائع، بل تمتد لتأسيس مناعة فكرية وثقافية لدى الأفراد تُمكّنهم من قراءة المشهد الإعلامي بعين نقدية فاحصة تميز بين الحقائق الصلبة والأجندات الموجهة.”

أشد تداعيات هذه الظاهرة إيلاماً وخطورة هو تسرب هذا السم الذعاف إلى قطاع التعليم والبيئات المدرسية. إن الأطفال والشباب هم الفئة الأكثر هشاشة وتقبلاً للرسائل الإعلامية دون تمحيص أو تحليل نقدي. وحين ينفذ خطاب الكراهية والمعلومات المغلوطة إلى أروقة المدارس، فإن النتائج تكون كارثية بكل المقاييس: توترات بين الطلاب، وانقسامات على أساس الهوية، واستفحال لظواهر التنمر والتمييز بين أقران الأمس.

إن الطلاب، في كثير من الأحيان، لا يملكون الأدوات الإدراكية أو الوعي الكافي الذي يؤهلهم لفهم أن ما يتم ترويجه عبر هواتفهم و شاشاتهم ليس سوى خطابات كراهية مُغلفة أو معلومات مضللة، مما يخلق بيئة من الخوف المتبادل وعدم الثقة داخل الصفوف الدراسية. هذا التسميم المبكر لعقول الناشئة يهدد النسيج المجتمعي المستقبلي برمته؛ إذ يُعاد إنتاج الصراع داخل أجيال يُفترض أنها هي الرافعة الأساسية لبناء السلام وإعادة الإعمار.

تكمن المحافظة على المستقبل في دمج أدوات التربية الإعلامية والمعلوماتية ضمن المناهج الدراسية، والارتقاء بمهارات المعلمين ليصبحوا قادرين على تزويد الطلاب بمهارات التفكير النقدي، والتحري عن مصادر المعرفة، وفهم طبيعة خطابات الكراهية وكيفية التصدّي لها وإيقافها داخل أسوار المدارس وخارجها.

أمام هذا السيل العارم من المعلومات الزائفة والتحريضية، يبرز تساؤل جوهري حول كيفية التعامل مع الإشكال دون المساس بالحقوق والحريات الأساسية. يرى البعض أن الحل السريع يكمن في فرض رقابة مشددة وإغلاق منافذ التعبير، بيد أن هذه المقاربة أثبتت عقمها وعدم نجاعتها في العصر الرقمي الحديث. إن الحل المستدام لا يتأتى عبر الكبت أو فرض الرقابة الشاملة على وسائل الإعلام، بل عبر مقاربة حقوقية تمكينية تقوم على تعزيز قدرة الأفراد على الوصول إلى المعلومات الصحيحة والموثوقة، وتنمية حسهم النقدي لتقييم المحتوى واستخدامه بصورة مسؤولة.

إن حرية التعبير حق أصيل ومكفول، ولكن يجب تمييزها بوضوح عن خطابات التحريض والعنف والكراهية. فالإيمان بحرية التعبير لا يعني إطلاق العنان للمعلومات المضللة لتدمير السلم الأهلي أو تعريض حياة الناس للخطر. ومن هذا المنطلق، تشكل التربية الإعلامية والمعلوماتية حجر الزاوية في بناء مجتمعات قادرة على التفكير والتمييز والتفاعل المسؤول مع كل ما يُنشر، بما في ذلك المحتوى الرقمي المنتَج باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي الحديثة.

في أوقات النزاعات المسلحة والحروب، يقف دمار البنية التحتية وصعوبة التنقل والتواصل عائقاً كبيراً أمام تقديم الدعم والمساعدة للمجتمعات المتأثرة. وهنا تتجلى أهمية الاستراتيجيات الميدانية التي لا تعتمد على الوسائل التقليدية الفردية، بل تتعداها إلى نسج شبكة من الشراكات المحلية مع المؤسسات الإعلامية والجهات الفاعلة على الأرض.

إن الفاعلين المحليين واللجان الوطنية والمنظمات الإعلامية الوطنية هم الأكثر فهماً لطبيعة الاحتياجات والديناميات المجتمعية، وهم القادرون على إيصال الرسائل التوعوية وتطبيق أدوات التحقق من المعلومات بفاعلية ومرونة. إن دعم الصحافة المهنية وتوفير الحماية والسلامة للعاملين في المجال الإعلامي أثناء الحرب يُعد مكسباً حيوياً للجميع؛ الصحفي المهني الشريف هو الخط الأمامي الأول لنقل الحقيقة والدفاع عن حق المجتمع في معرفة ما يجري بعيداً عن التزييف والتهويل.

إن المعركة ضد التضليل وخطاب الكراهية في السودان هي معركة وجودية توازي في أهميتها معركة وقف إطلاق النار؛ فبدون عقول محصنة ونفوس واعية بمخاطر الاستقطاب، يظل أي سلام مهدداً بالانهيار عند أول شائعة أو خطاب تحريضي. إن الاستثمار في مهارات التربية المعلوماتية للمعلمين والإعلاميين والشباب وكافة مكونات المجتمع ليس رفاهية فكرية، بل هو ضرورة حتمية وأساس متين لبناء مجتمع أكثر قدرة على المعرفة والصمود، وأكثر استعداداً للتعايش السلمي وإعادة بناء ما دمرته الحرب.

‫شاهد أيضًا‬

بين صراع الكلمة والجرح في جسد الامة: قراءة في خطاب الكراهية وتهديد النسيج الاجتماعي لابناء شرق السودان

لا يختلف اثنان على أن السودان يمر بمنعطف خطير هو أخطر من نيران الحرب التي اشتعلت في ربوعه.…