الاختشوا ماتوا
نقطةإرتكاز د.جادالله فضل المولي

حينَ تُمعنُ يدٌ في إشعالِ النارِ ثم تخرجُ لتطلبَ إطفاءها، وحينَ يتدفقُ السلاحُ من مطاراتها ليلَ نهارَ ثم تقفُ في المحافلِ الدوليةِ لتتحدثَ عن حمايةِ المدنيينَ، فاعلمْ أننا أمامَ قمةِ الوقاحةِ السياسيةِ. الاختشوا ماتواالإماراتُ تُموّلُ الحربَ وتتحدّثُ عن السلامِ وعن حماية المدنيين .
إن الإماراتَ تُدركُ تماماً أن أعينَ العالمِ بدأت تتجهُ إليها، وأن الأدلةَ تتراكمُ، وأن صوتَ السودانيينَ الذي كان مكتوماً صارَ مسموعاً. لذلكَ لجأت إلى حيلتها القديمةِ: صرفُ الأنظارِ. تحاولُ أن تقلبَ الطاولةَ، وأن تُصوّرَ نفسها وسيطاً للسلامِ، وأن تُلقيَ بالاتهاماتِ جزافاً على الحكومةِ السودانيةِ الشرعيةِ، وعلى مؤسسةٍ وطنيةٍ اسمها القواتُ المسلحةُالتي تخوضُ معركةَ بقاءٍ ضدَ تمردٍ مسلحٍ.
ولكن هيهاتَ أن ينطليَ هذا على أحدٍ بعدَ اليومِ.
إن الإماراتَ ليست في موقعٍ يسمحُ لها أصلاً بالحديثِ عن القانونِ الدوليِ أو عن حقوقِ الإنسانِ. فكيفَ لدولةٍ تحولت إلى جسرِ إمدادٍ رئيسيٍ لمليشيات أن تُحاضرَ في الأخلاقِ؟ كيفَ لمن فتحت مخازنَ السلاحِ وأرسلت الطائراتَ المسيّرةَ واستقدمت المرتزقةَ من أصقاعِ الأرضِ أن تسألَ عن دمِ المدنيينَ؟
الحقائقُ على الأرضِ أبلغُ من كلِ البياناتِ. شبكاتٌ مرتبطةٌ بها بشكلٍ مباشرٍ تعملُ ليلاً ونهاراً. مساراتُ إمدادٍ تمتدُ من ليبيا مروراً بتشادَ، ومن إثيوبيا إلى داخلِ السودانِ، محمّلةً بالذخيرةِ والمقاتلينَ الأجانبِ. موانئُ تُستخدمُ لتهريبِ ذهبِ السودانِ المنهوبِ، وتُغسلُ عائداتهُ في بنوكها لتعودَ مرةً أخرى رصاصاً يُقتلُ بهِ أبناءُ السودانِ. هذا ليسَ كلاماً مرسلاً، هذا واقعٌ تعرفهَ الأجهزةُ الأمنيةُ وتعرفهُ الأقمارُ الصناعيةُ وتعرفهُ تقاريرُ الخبراءِ التي تُخبأُ في أدراجِ مجلسِ الأمنِ.
إن القواتِ المسلحةَ ليست طرفاً في نزاعٍ بينَ فصيلينِ متساويينِ كما تحاولُ بعضُ العواصمِ أن تُسوّقَ. إنها مؤسسةٌ وطنيةٌ عمرها عقودٌ، هي حاميُ الدولةِ وسيادتها ووحدتها. في مواجهتها مليشيا تمردت على الدولةِ، وانقلبت على الاتفاقاتِ، وروّعت الآمنينَ، ونهبت البيوتَ. المساواةُ بينَ الجيشِ الوطنيِ وبينَ هذهِ المليشيا هي جريمةٌ أخلاقيةٌ وسياسيةٌ قبلَ أن تكونَ مغالطةً قانونيةً.
لذلكَ نقولُها بوضوحٍ لمجلسِ الأمنِ وللعالمِ أجمعٍ: كفى إشاراتٍ عامةً وتلميحاتٍ دبلوماسيةً باهتةً عن “تدخلاتٍ خارجيةٍ”. سمّوا الأشياءَ بأسمائها. سمّوا الدولَ التي تُموّلُ الحربَ. حاسبوا من يرسلُ الطائراتِ ومن يدفعُ فاتورةَ المرتزقةِ. فاستمرارُ تدفقِ السلاحِ والمالِ الخارجيِ يعني شيئاً واحداً فقط: إطالةُ أمدِ الحربِ، ومضاعفةُ معاناةِ المدنيينَ، وتحويلُ السودانِ إلى جرحٍ مفتوحٍ في قلبِ أفريقيا.
إن مفتاحَ الحلِ ليسَ في غرفِ التفاوضِ المعقدةِ ولا في المبادراتِ التي تُولدُ ميتةً. مفتاحُ الحلِ بسيطٌ جداً ويعرفهُ كلُ سودانيٍ: حينَ تتوقفُ الإماراتُ عن تمويلِ المليشياتِ والمرتزقةِ، حينها فقط ستتوقفُ الحربُ في السودانِ.
السودانُ لا يستجدي أحداً. السودانُ يطالبُ بحقهِ في أن يُتركَ وشأنهُ. يطالبُ بحقهِ في أن يُحاربَ التمردَ بيديهِ، وأن يبنيَ مستقبلهُ بعرقِ أبنائهِ.
لقد اختارَ الشعبُ السودانيُ أن يقفَ مع جيشهِ، وأن يدفعَ الثمنَ غالياً، ولكنهُ لن يدفعَ ثمنَ كرامتهِ أبداً. فالتاريخُ لا يرحمُ، والشعوبُ لا تنسى، والدمُ الذي سالَ لن يضيعَ هدراً.
الاختشوا ماتوا ومن بقيَ حياً منهم، فليعلمْ أن السودانَ عصيٌ على الكسرِ، وأن المؤامراتِ مهما عظمت فإنها تتحطمُ على صخرةِ إرادةِ شعبٍ قررَ أن يحيا حراً أو يموتَ واقفاً.
السودانُ يمرضُ.. نعم يمرضُ من شدةِ الخيانةِ، ومن ثقلِ المؤامرةِ، ومن وجعِ الغربةِ داخلَ وطنهِ. لكنهُ لا يموتُ. لأنهُ لو ماتَ، لمن تركنا الحكايةَ؟ لمن تركنا النيلَ يشهدُ؟ لمن تركنا الترابَ يبكي؟
سنبقى. وسنحكي. وسنقولُ للأجيالِ القادمةِ: في زمنٍ ما، تآمرَ علينا القريبُ قبلَ البعيدِ، وصمتَ العالمُ، ولكننا لم نركعْ لا لله.
meehad74@gmail.com
بين صراع الكلمة والجرح في جسد الامة: قراءة في خطاب الكراهية وتهديد النسيج الاجتماعي لابناء شرق السودان
لا يختلف اثنان على أن السودان يمر بمنعطف خطير هو أخطر من نيران الحرب التي اشتعلت في ربوعه.…





