‫الرئيسية‬ مقالات السودان.. ما بين سلطان العادة والرغبة في الإعادة
مقالات - ‫‫‫‏‫11 دقيقة مضت‬

السودان.. ما بين سلطان العادة والرغبة في الإعادة

أصل_القضية | من سلسلة الجسر والمورد د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

««أخطر ما تفعله الحرب أنها قد تنتهي في الميدان، بينما تواصل العيش داخل سلوك الناس.»»

 

استوقفني سطر كتبه الأستاذ سمير إسماعيل جوهر على حائطه في تطبيق فيسبوك ،

«ما بين سلطان العادة والرغبة في الإعادة»، فوجدت فيه مدخلًا لسؤال سوداني أكبر ، ماذا يحدث للمجتمع عندما تتوقف الحرب، بينما تظل بعض سلوكياتها حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية؟ وماذا يحدث عندما تحاول الدولة والمجتمع العودة إلى ما كان، دون أن يسألا أولًا: هل ما كان هو أصلًا ما نريد العودة إليه؟

 

فـ«سلطان العادة» هنا ليس العادات الاجتماعية بمعناها التقليدي، وإنما السلوكيات التي فرضتها سنوات الحرب حتى أصبحت مألوفة. أما «الرغبة في الإعادة»، فهي أخطر؛ لأنها لا تعني فقط العودة إلى الماضي، وإنما إعادة إنتاج الفشل نفسه بالعقلية نفسها والأدوات نفسها، ثم انتظار نتائج مختلفة.

 

لقد خرج المواطن السوداني من الحرب بمهارات نجاة استثنائية. تعلم أن يدبر أمره بنفسه، وأن يبحث عن الماء والغذاء، وأن يحمي أسرته وممتلكاته، وأن يقرأ الخطر قبل وقوعه، وأن يحصل على المعلومة من هاتفه قبل أن ينتظر المؤسسة.

 

كانت تلك السلوكيات ضرورية للبقاء.

 

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول ثقافة النجاة إلى ثقافة مجتمع.

 

فالمواطن الذي اعتاد أن يحمي نفسه بعيدًا عن الدولة قد يفقد ثقته في قدرتها على حمايته. والذي اعتاد أن يعتمد على شبكته الخاصة قد يرى القانون طريقًا طويلًا، والعلاقة الشخصية طريقًا أقصر. والذي عاش طويلًا في بيئة يصبح فيها الآخر احتمالًا للخطر، قد يبدأ في النظر إلى الاختلاف باعتباره تهديدًا.

 

وهنا تنتقل الحرب من السلاح إلى السلوك.

 

من البندقية إلى الشائعة.

 

ومن الحاجز العسكري إلى الحاجز الاجتماعي.

 

ويصبح السؤال الذي يطارد الناس: «مع من كنت؟»

 

من بقي؟ من خرج؟ من ساعد؟ من لم يساعد؟ من عرف؟ ومن لم يعرف؟

 

فتتحول الذاكرة من وسيلة لفهم الماضي إلى محكمة اجتماعية مفتوحة، ويصبح الإنسان أحيانًا متهمًا بما يُفترض أنه كان يستطيع أن يفعله، لا بما ثبت أنه فعله.

 

وهنا تظهر واحدة من أخطر ظواهر ما بعد الحرب: الوصم الاجتماعي وخطاب الكراهية.

 

لكن المشكلة لا تقف عند المواطن.

 

أين الدولة؟

 

ليس من العدل أن نطلب من المجتمع أن يعيد بناء أمنه وثقته، بينما تكتفي الحكومة بمراقبة التحولات الاجتماعية التي أفرزتها الحرب.

 

فالأمن المجتمعي ليس مسؤولية المواطن وحده.

 

الدولة مطالبة بإدارة الانتقال من مجتمع النجاة إلى مجتمع الدولة؛ أي من مجتمع تحكمه غريزة الحماية الذاتية إلى مجتمع تحكمه قواعد القانون والمؤسسة والثقة العامة.

 

وعليها أن تمنع تحول الخلاف إلى كراهية، والكراهية إلى إقصاء، والإقصاء إلى انتقام. وأن تضع حدًا للوصم الجماعي، وأن تفرق بوضوح بين المسؤولية الفردية والانتماء الجغرافي أو الاجتماعي.

 

ليس كل من بقي متهمًا، وليس كل من خرج بريئًا، وليس كل من صمت متواطئًا، وليس كل من تحدث خائنًا.

 

القانون وحده يجب أن يحدد المسؤولية.

 

فإذا غابت الدولة عن هذه المساحة، فإن المجتمع سيبدأ في صناعة محاكمه الخاصة، وحينها تصبح الحرب قابلة لإعادة الإنتاج حتى بعد توقف الرصاص.

 

لكن هناك خطرًا آخر لا يقل خطورة: الرغبة في الإعادة.

 

فالمواطن قد يعيد بعض سلوكيات الحرب بحكم العادة، لكن النخب والمؤسسات قد تعيد إنتاج فشل الدولة بحكم الاعتياد.

 

نحن أحيانًا لا نريد فقط أن يعود السودان، بل نريد أن يعود كما كان.

 

نفس طرق إدارة الدولة.

 

نفس ثقافة الإقصاء.

 

نفس الشخصنة.

 

نفس تقديم الولاء على الكفاءة.

 

نفس العلاقات التي تتغلب على المؤسسات.

 

ثم نتوقع أن تنتج هذه العقلية سودانًا مختلفًا!

 

وهنا تكمن المفارقة:

 

المشكلة ليست في أن يعود السودان إلى ما كان؛ المشكلة أن يعود ما كان إلى السودان.

 

فليس كل ما نشتاق إليه يستحق أن نستعيده.

 

هناك أشياء يجب أن تعود: الأمن، القانون، المدارس، المستشفيات، الأسواق، الحياة الطبيعية.

 

لكن هناك أشياء يجب أن تبقى في الماضي: عقلية الإقصاء، شخصنة الدولة، استبدال المؤسسة بالعلاقة، وتحويل الاختلاف إلى خصومة وجودية.

 

وهنا تأتي رؤية الجسر والمورد.

 

فإعادة البناء ليست إعادة إنتاج.

 

والمورد ليس ذهبًا أو نفطًا أو مياهًا فقط؛ الإنسان مورد، والثقة مورد، والتماسك الاجتماعي مورد، والقدرة على التعاون مورد.

 

لكن الموارد تحتاج إلى جسور.

 

جسر بين المواطن والدولة.

 

جسر بين النازح والعائد.

 

جسر بين المجتمع والقانون.

 

وجسر بين ذاكرة الحرب وحاجة المستقبل.

 

ولهذا فإن إعادة إعمار السودان لا ينبغي أن تبدأ بالإسمنت وحده، بل بإعادة بناء الثقة، ودعم المصالحات المحلية، ومواجهة خطاب الكراهية، وإشراك المجتمع في صناعة أمنه، وإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والمؤسسة.

 

نحن لا نحتاج إلى «مواطن سوداني جديد»، بقدر ما نحتاج إلى سلوك سوداني جديد.

 

نحتاج أن ننتقل من الحذر إلى الوعي، ومن الشك إلى التحقق، ومن الانتقام إلى العدالة، ومن العصبية إلى المواطنة.

 

أن ننتقل من سؤال:

 

«أنت مع من؟»

 

إلى سؤال:

 

«ماذا فعلت؟»

 

فالأول سؤال الحرب.

 

أما الثاني فهو سؤال الدولة.

 

وربما تكون معركتنا الحقيقية بعد الحرب ليست فقط في إعادة بناء ما تهدم، وإنما في منع أنفسنا من إعادة إنتاج ما هدم السودان.

 

فالسودان لا يحتاج إلى استعادة الماضي كله، وإنما إلى انتقاء ما يستحق العودة، وترك ما يجب ألا يعود.

لأن الدولة التي تعيد بناء الحجر دون أن تعيد بناء الإنسان، قد تعيد إعمار الخراب… لكنها لا تبني وطنًا.

فالمشكلة ليست أن يعود السودان إلى ما كان، المشكلة أن يعود ما كان إلى السودان.

 

وهنا بالضبط #أصل_القضية

‫شاهد أيضًا‬

بين صراع الكلمة والجرح في جسد الامة: قراءة في خطاب الكراهية وتهديد النسيج الاجتماعي لابناء شرق السودان

لا يختلف اثنان على أن السودان يمر بمنعطف خطير هو أخطر من نيران الحرب التي اشتعلت في ربوعه.…