بين صراع الكلمة والجرح في جسد الامة: قراءة في خطاب الكراهية وتهديد النسيج الاجتماعي لابناء شرق السودان
د. عثمان احمد صديق

لا يختلف اثنان على أن السودان يمر بمنعطف خطير هو أخطر من نيران الحرب التي اشتعلت في ربوعه. فبينما تدور رحى المعارك على الأرض، تشتعل حرب أخرى في الفضاءات الافتراضية وعلى منابر الكلام، حرب لا تستخدم الرصاص، بل الكلمات والتحريض المقيت، والتعبئة القبلية التي تذكّرنا بحقب مظلمة من تاريخ الامم الاسود. إن ما نشهده من تراشق للكلمات ما هو الا حلقة في مسلسل طويل من خطاب الكراهية الذي يهدد بتفتيت النسيج الاجتماعي الذي شيدته الأجيال عبر عقود من التعايش والتلاحم.
الآثار السالبة للاصطفاف القبلي والجهوي
إن الانزلاق إلى الاصطفاف القبلي والجهوي يحمل في طياته آثاراً مدمرة تمتد إلى مختلف جوانب الحياة إن وصف الفئات او المناطق بأوصاف غير لائقة، والتحريض وبث الكراهية ضد فئات من أبناء الوطن، هو طريق مباشر نحو تمزيق النسيج الاجتماعي وإشعال نار فتنة قد لا تُبقي ولا تذر. فالحروب الأهلية لا تبدأ دائماً بالرصاص، بل تبدأ بالكلمة .
نحو وحدة الصف ونبذ العنصرية
في مواجهة هذه المخاطر الجسيمة، تبرز الحاجة الماسة إلى خطاب وطني جامع، يعيد التأكيد على أن الوطن هو بيت الجميع، وأنه لا يسع أبناءه إلا بالتسامح والتكاتف. وهذا يتطلب وقفة جادة وصادقة من جميع الأطراف، تعيد الاعتبار للقيم النبيلة التي قامت عليها المجتمعات المتحضرة.
دور النخب والمفكرين: يقع على عاتق النخب السياسية والفكرية والإعلامية مسؤولية تاريخية في توجيه الخطاب نحو ما يوحد، وليس ما يفرق، ونبذ كل ما من شأنه إثارة النعرات الضيقة. فالكلمة التي تخرج من قلم أو منبر تحمل أمانة، إما أن تكون جسراً للتواصل أو سيفاً للفرقة.
يجب دعم مبادرات المصالحة والتعايش السلمي، ونبذ العصبية القبلية والجهوية في السلوك اليومي. فالتغيير يبدأ من الأفراد، ومن الوعي بأن الاختلاف سنة كونية، وأن التنوع هو مصدر غنى وليس سبب شقاق. وعلى كل إنسان أن يبدأ بنفسه، بإطفاء نار التعصب في قلبه، قبل أن يدعو الآخرين إلى ذلك.
إن الدين، والتاريخ، والمصير المشترك، والأرض الواحدة، هي روابط أقوى من أي انتماء ضيق. وتذكير الناس بهذه القواسم يعيد الأمور إلى نصابها، ويذكرهم بأنهم شركاء في وطن واحد، تجمعهم مصالح متشابكة وآمال مشتركة في مستقبل أفضل.
خاتمة
إن الوطن لا يحتمل مزيداً من الانقسام، ولا يحتمل حرباً أهلية جديدة تلتهم الأخضر واليابس. وأي تهاون مع خطاب الكراهية اليوم قد يتحول غداً إلى دماء ودموع وخراب يصعب احتواؤه. إن الخيار أمامنا واضح: إما أن نتمسك بوحدتنا الوطنية، ونحتفي بتنوعنا، ونبني دولة المواطنة والعدالة والمساواة، وإما أن ننزلق إلى هاوية الصراعات الضيقة التي لن تترك لنا وطناً نحميه ولا مستقبلاً نأمله.
السودان.. ما بين سلطان العادة والرغبة في الإعادة
««أخطر ما تفعله الحرب أنها قد تنتهي في الميدان، بينما تواصل العيش داخل سلوك الناس.»»  …





