‫الرئيسية‬ مقالات وطني العزيز… نفديك بالروح والدم
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

وطني العزيز… نفديك بالروح والدم

رجاءات صباحية  د. رجاء محمد صالح احمد

صباح الوطن الذي يسكن في القلب، صباح السودان العزيز، أرض النيلين، وموطن العزة والكرامة، صباح الذين أحبوا هذا الوطن حباً صادقاً، فلم تغرهم قسوة الظروف، ولم تدفعهم الحرب المدمرة إلى التخلي عنه، بل ظلوا ثابتين في أرضه، مؤمنين بأن الأوطان لا تُبنى في أوقات الرخاء وحدها، وإنما تُصان في أوقات المحن، وتُحمى عندما تشتد العواصف.

 

حب الوطن ليس كلمات تُقال، ولا شعارات تُرفع، وإنما موقف وتضحية وانتماء ومسؤولية.

 

وفي السودان اليوم، تتجلى أسمى صور الوفاء للوطن في أولئك الذين اختاروا البقاء، رغم الظروف القاهرة، ورغم الخوف والنزوح والدمار، ورغم صعوبة الحياة وقسوة الحرب. بقوا لأنهم يؤمنون أن السودان ليس مجرد أرض نعيش عليها، بل هو تاريخ وهوية وذاكرة وكرامة ومستقبل أجيال.

 

إن أعظم ما يحتاجه السودان في هذه المرحلة ليس فقط من يحمل السلاح في ميادين القتال، وإنما أيضاً من يحمل فكرة الوطن في عقله، ومشروع الدولة في قلبه، ومستقبل السودان في رؤيته.

 

وهنا تبرز قيمة أصحاب الفكر والرؤية الاستراتيجية؛ أولئك الذين ينظرون إلى ما وراء اللحظة، ولا تقودهم الانفعالات العابرة، وإنما يفكرون بعقل استراتيجي يعرف أن حماية الوطن مسؤولية جماعية، وأن المعركة الحقيقية ليست فقط معركة اليوم، وإنما معركة بقاء السودان موحداً، مستقلاً، عزيزاً، صاحب قرار وسيادة.

 

هؤلاء أشبه بـ قائد أوركسترا يقف وسط مجموعة كبيرة من العازفين، يعرف متى يبدأ كل صوت، ومتى يتقدم، ومتى يصمت، وكيف يجعل آلات مختلفة تعزف لحناً واحداً متناسقاً.

 

وهكذا ينبغي أن يكون العمل الوطني:

فكرٌ يخطط، وإرادةٌ تنفذ، وإعلامٌ يوضح، ومجتمعٌ يتماسك، واقتصادٌ يُبنى، وشبابٌ يُؤهل، ونساءٌ يشاركن، ومؤسساتٌ تحمي الدولة، وجيشٌ يحمي السيادة.

 

وعندما تتكامل هذه الأدوار، يصبح الوطن لحناً جميلاً يعزفه أبناؤه جميعاً، كلٌّ من موقعه، وكلٌّ بقدر استطاعته.

 

لقد قال لنا جدودنا زمان:

 

«وصّونا على الوطن، على التراب الغالي الما ليه ثمن»

 

وما أعظم هذه الوصية!

 

إنها ليست مجرد كلمات من الماضي، بل عهدٌ ممتد من جيل إلى جيل. وصية تقول لنا إن الأرض التي وُلد عليها الآباء والأجداد، والتي احتضنت ذكرياتنا وأحلامنا، لا تُباع ولا تُستبدل، وإن السيادة الوطنية ليست سلعة للمساومة، وإن السودان يستحق أن نحميه ونحفظه للأبناء والأحفاد.

 

وقد عمل بهذه الوصية كل من حفظ الود، وأخلص للوطن، ورفض أن يرى السودان ضعيفاً أو ممزقاً أو تابعاً لغيره.

 

نعم، قد نختلف في السياسة، وقد تتباين الرؤى والأفكار، ولكن ينبغي ألا نختلف على الوطن.

 

السودان أكبر من الأشخاص، وأبقى من الحكومات، وأعظم من الخلافات السياسية. السودان وطنٌ يسع الجميع، ولا يمكن أن يكون له مستقبل إلا بالحوار والتوافق، وبناء دولة قوية عادلة تحفظ الحقوق وتصون الكرامة وتجمع أبناءها على كلمة سواء.

 

وفي هذه الظروف الصعبة، نحتاج إلى أن نرفع صوت العقل، وأن نغلب مصلحة السودان على المصالح الصغيرة، وأن نعمل جميعاً من أجل أن يبقى هذا الوطن واقفاً على قدميه، شامخاً بين الأمم.

 

فالوطن الذي نحبه اليوم هو أمانة في أعناقنا، وسيأتي يوم يسألنا فيه أبناؤنا:

 

ماذا فعلتم من أجل السودان عندما كانت المحنة؟

 

وعندها نريد أن نقول لهم:

 

بقينا… وصمدنا… وفكرنا… وضحينا… وبنينا.

لم نترك وطننا للريح، ولم نسمح بأن تضيع هويته أو سيادته.

حفظنا الوصية، وصُنّا التراب الغالي.

 

وطني العزيز…

 

يا أرض الجدود، ويا وطن النيل، ويا ذاكرة الأمهات والآباء، ويا حلم الأجيال القادمة…

 

نفديك بالروح والدم، ونبقى فيك ما بقي فينا نفس، ونعمل من أجل أن تعود أجمل مما كانت.

 

اللهم احفظ السودان، واحفظ شعبه، واحفظ أرضه وسيادته ووحدته، واجعل بعد هذه المحنة أمناً وسلاماً واستقراراً، وبعد الدمار إعماراً، وبعد الألم فرحاً، وبعد الانقسام وحدةً، واجعل السودان عالياً شامخاً بين الأمم.

 

صباح الوفاء للوطن…

صباح الذين لم يغادروا السودان في قلوبهم وإن غادروه بأجسادهم…

وصباح الذين بقوا، وصبروا، وضحوا، وفكروا في مستقبل وطن يستحق أن نحبه ونحميه.

‫شاهد أيضًا‬

إلا الحق الخاص

تتسارع خطوات الحكومة باتجاه تهيئة المناخ لإنجاح الحوار السوداني–السوداني في مؤشر يعكس جدية…