‫الرئيسية‬ مقالات حين يبيع المرء ظله للغرباء
مقالات - ‫‫‫‏‫12 دقيقة مضت‬

حين يبيع المرء ظله للغرباء

نقطةإرتكاز د.جادالله فضل المولي

حين يصبح الوطن جرحاً مفتوحاً في خاصرة من يسكنه، وحين يتحول الاسم الذي ولدنا به إلى تهمة نهمسها في المطارات، لا يبقى للكلام معنى سوى أن يكون شهادة على انكسار لم نره في الكتب. وأقسى أنواع الانكسار أن يقف ابن من أبناء هذا التراب في صف من أرادوا له الخراب، وأن يمد يده لمن أرادوا له الموت، وأن يسمي الخيانة رأياً ويسمي العمالة شجاعة.

لا يتخيل العقل بسهولة أن إنساناً يشرب من ماء النيل ثم يدله على العطش، وأن يمشي على تراب دفن فيه أجداده ثم يرسم عليه خرائط الدمار، وأن ينام تحت سقف حمته بنادق لم ينم حاملوها ليلة واحدة مطمئنين. لا يتخيل العقل أن يصبح الوطن ملفاً في يد غريب، وأن تصبح أسرار البيوت سلعة في سوق لا يعرف الرحمة، وأن يتحول اسم الشارع الذي لعبنا فيه إلى إحداثية ترسل في رسالة قصيرة.

القوات المسلحة ليست أرقاماً في تقرير ولا أسماء في نشرة. هي الأب الذي لم يعد من الدورية، وهي الأخ الذي نام في الخندق حتى لا ننام نحن خائفين، وهي الحاجز الذي يقف بين بيتك وبين فوضى لا تعرف اسماً ولا عمراً. حين يختار أحدهم أن يكون عيناً للعدو على هؤلاء، فهو لا يخون مؤسسة فقط، هو يخون الأمهات اللواتي ينتظرن على العتبات، ويخون الأطفال الذين يحفظون نشيد الصباح، ويخون القبر الذي لم يجد جثة ليدفنها.

ما الذي يدفع إنساناً إلى هذا؟ هل هو غضب تراكم فصار كرها؟ هل هو مال لمع في عينيه فأعماه عن كل شيء؟ هل هو وهم بأنه يغير العالم فيبيع وطنه بثمن بخس؟ أم هو يأس جعله يصدق أن لا فرق بين البقاء والرحيل، بين الكرامة والذل؟ أي منطق هذا الذي يجعل اليد التي أكلت من خير الأرض تحفر لها قبراً؟.

الخيانة لا تأتي فجأة، الخيانة تبدأ بكلمة صغيرة تقال في غرفة مغلقة، ثم بصورة ترسل في منتصف الليل، ثم بموقع يحدد، ثم باسم يذكر، ثم بدم يسيل ولا أحد يسأل من أين جاء. وبعدها يصبح العائد مستحيلاً، لأن من اشتراك لن يحترمك، ومن استخدمك سيرميك، ومن وعدك بالجنة سيتركك في صحراء لا ماء فيها ولا ظل وسيرسلك الي الجحيم.

أي ليل هذا الذي يعيشه الخائن؟ أي مرآة ينظر فيها كل صباح؟ أي صوت يناديه في داخله عندما يسمع أمه تقول “ربنا يحفظ البلد”؟ لا مفر من الذاكرة، والذاكرة قاسية، تذكرك برائحة المطر على الزنك، وبصوت الجدة وهي تدعو للجيش، وبأول مرة لبست فيها حذاء المدرسة ومشيت في شارع كان آمناً لأن هناك من سهر من أجله.

نحن لا نكتب هذا لنحاكم القلوب، فالحكم لله وحده. نحن نكتب لأن الوجع بلغ منتهاه، ولأن الصمت صار مشاركة. نحن نكتب لأن الوطن ليس فندقاً نغادره عند أول أزمة، ولأن القوات المسلحة ليست خصماً سياسياً بل هي الحائط الصد الأخير الذي إن سقط سقطت معه كل البيوت.

إن كانت الأيام مقبرة مفتوحة، فليعلم كل من باع أن القبر لا يتسع للخائنين. وإن كان الليل طويلاً، فليعلم أن الفجر لا يشرق على من أطفأه بيده.

يا من خذلك قلبك حتى صرت ضد أرضك، عد إن استطعت قبل أن يغلق الباب. ويا من بقيت واقفاً، اثبت، فإن التاريخ لا يكتب أسماء الذين باعوا، بل يكتب أسماء الذين صبروا حتى عاد الوطن كما كان، حضناً لا سؤالاً، وبيتاً لا محطة عبور.

يا خائناً لبست جلد الحزن كذباً أتظن أن الغريب سيسميك بطلاً ؟. سيمسح بك الزجاج ثم يرميك كما ترمى قشرة الفاكهة بعد العصر.

meehad74@gmail.com

 

 

‫شاهد أيضًا‬

هيئة مياه ولاية الخرطوم الإدارة العامة للإمدادات مناقصة عامة

يرغب السيد / المدير العام لهيئة مياه ولاية الخرطوم في طرح تشييد خزان خرصاني لمحطة مياه الش…