‫الرئيسية‬ مقالات حين أضرمت الإمارات النار
مقالات - ‫‫‫‏‫يومين مضت‬

حين أضرمت الإمارات النار

نقطةإرتكاز  د.جادالله فضل المولي 

حين أضرمت الإمارات النار في السودان لم تبدأها ببندقية في العلن بل بدأتها باستثمارات مسمومة تدخل بها البيوت من أبواب الاقتصاد وتخرج منها بالخراب والدمار ظنت أنها تشعل حريقاً صغيراً في طرف دار بعيد وأن الدخان لن يصل إليها وأن الدم لن يلطخ يديها وأن التاريخ سينسى سريعاً كما تنسى الصحف عناوينها في اليوم التالي ولكنها أخطأت الحساب فالنار التي أُضرمت في دارفور وصلت الخرطوم والنار التي أشعلت في الجزيرة وصلت القلوب والنار التي نفخت فيها بأموالها وسلاحها وسياساتها أحرقتنا جميعاً ولم تبقِ لنا شيئاً نبكي عليه إلا الوطن

 

الإمارات لا تدخل أي دولة إلا ولها حساب خفي خلف الميناء وخلف المطار وخلف شركة الذهب وخلف عقد الزراعة تدخل باسم الاستثمار وباسم الأشقاء وباسم التنمية ثم تمتد يدها الخفية لتعيد رسم الخرائط وتشتري الولاءات وتغذي الفتن حتى إذا اشتعلت النار لاتقف بعيداً ،بل تدعم الصراع بالسلاح والاموال وشراء الذمم .

 

ماذا فعلت في السودان فعلت ما فعلته في غيرنا دخلت بالمشاريع الكبيرة والوعود البراقة ثم ربطت اقتصادنا بمصالحها وربطت قرارنا بمالها وعندما أرادت أن تحسم أمرها لم تتردد لحظة في أن تمول المليشيا التي أحرقت المدن وأن تسلحها وأن تمنحها الغطاء السياسي والإعلامي حتى صدقت أنها قادرة على ابتلاع دولة كاملة بجيشها وتاريخها وشعبها

 

وليس السودان وحده من ذاق السم انظروا إلى كل الدول الإفريقية التي فتحت لها أبواب الاستثمار الإماراتي ستجدون فيها اليوم فتنة نائمة أو حرباً مشتعلة أو نخبة مسلوبة القرار ستجدون الموانئ تباع والذهب يهرب والشباب يشترى بالمال القذر ستجدون بصمة واحدة تتكرر في كل مكان بصمة الخراب المقنع بثوب التنمية

 

وحتى الجزائر التي ظننا أنها بمنأى وصلتها يد العبث ووصلتها محاولات الاختراق ووصلتها الأموال التي تريد أن تشتري القرار وتعيد رسم المواقف فليحذر الجميع فأي دولة بها استثمارات إماراتية كبيرة فهي قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي لحظة حين تقر الإمارات أن مصلحتها تقتضي الفوضى

 

جاءوا إلينا بابتسامة الاستثمار وبلافتات الأشقاء وبصور المستشفيات والمدارس التي وعدوا بها ثم في الليل كانوا يعدون شحنات السلاح ويرسمون خرائط الفوضى ويدفعون لمن لا دين له ولا عهد أن يحرق كل شيء حتى يبقى هو وحده فوق الرماد وقالوا للعالم نحن دعاة سلام بينما كانوا في الخفاء تجار حرب وكانوا يزنون الدم السوداني بالدرهم ويحسبون الخراب بالمكسب والخسارة

 

ما الذي فعلناه لهم حتى نستحق هذا لم نكن يوماً إلا أخوة عمل أبناؤنا في أرضهم وبنوا لهم وعمروا لهم وعادوا يحكون عن كرمهم ثم عادوا ليجدوا الكرم نفسه يتحول إلى خنجر في ظهر الوطن كيف ناموا وكيف أكلوا وكيف ضحكوا وهم يرون أطفالنا ينامون في الشوارع وهم يرون المدارس مقابر وهم يرون المستشفيات خراباً وهم يرون الأمهات يحفرن القبور بأيديهن ولا أحد يسمع صراخهن

 

لعبوا بالنار وهم يعلمون أن النار لا تفرق بين بيت وبيت ولا بين قبيلة وأخرى ولا بين غني وفقير النار تأكل الأخضر واليابس تأكل الذاكرة تأكل المستقبل تأكل الحلم الذي كنا نربيه لسنوات طويلة وجاءوا في ليلة واحدة فنسفوه نسفاً ثم أداروا الكاميرات إلى جهة أخرى وقالوا هذه حرب أهلية وهذا شأن داخلي وكأنهم لم يكونوا هم الوقود وكأنهم لم يكونوا هم اليد التي أشعلت وكأنهم لم يكونوا هم الصوت الذي قال للمليشيا تقدمي لا أحد سيحاسبك

 

اليوم الخرطوم تبكي بلا صوت والجزيرة تنزف بلا مغيث ودارفور تصرخ ولا مجيب والسبب معروف والفاعل معروف ولكن العالم اختار أن يغمض عينيه لأن للمال سطوة ولأن للمصالح قانوناً أقسى من قانون الإنسانية

 

كنا نتمنى أن تكون الإمارات جسر عبور للسلام أن تكون اليد التي تطفئ لا التي تشعل أن تقول كلمة حق واحدة في وجه الباطل ولكنها اختارت أن تكون شريكة في الجريمة اختارت أن تبيع دماءنا في سوق النخاسة السياسية واختارت أن تراهن على مليشيا لا تعرف إلا القتل والسلب والنهب ثم تفاجأت حين كبر الوحش وفلت من يدها

 

يا للحزن يا للوجع حين يأتيك الطعن من ظهر من حسبته أخاً حين يتحول الشقيق إلى خصم وحين يتحول الجار إلى عدو وحين يصبح وطنك مشروعاً في غرفة مغلقة وتقريراً على طاولة باردة ودماً رخيصاً في ميزان المصالح

 

رسالتنا لكل دولة إفريقية ولكل دولة عربية انتبهوا للاستثمار المسموم انتبهوا للعقد الذي يبدو ذهباً وفي باطنه بارود انتبهوا للشركات التي تدخل لتخدم ثم تبقى لتقرر انتبهوا فإن النار التي أحرقتنا اليوم قد تصل إليكم غداً

 

سننهض نعم سننهض لأننا شعب لا يموت لأن فينا من يدفن الشهيد ثم يعود ليحمل البندقية لأن فينا من يبكي اليوم ويقاتل غداً لأن فينا من سيعيد بناء ما هدمتموه حجراً حجراً وبيتاً بيتاً ولكننا لن ننسى أبداً لن ننسى من صب البنزين على النار لن ننسى من ابتسم وهو يرى بيوتنا تحترق لن ننسى من باعنا بثمن بخس

 

التاريخ سيكتب وسيكتب بالدم وبالدموع وبالرماد أن في عام الخراب كان هناك من أضرم النار من بعيد ثم جلس يشاهدنا ونحن نحترق

 

وحسبنا الله ونعم الوكيل في كل من مد يده بالسلاح وفي كل من مول القتل وفي كل من ضحك على وجعنا

 

وإن غداً لناظره قريب وسيأتي اليوم الذي نحاسب فيه على كل قطرة دم وكل بيت تهدم وكل طفل حرم من أمه.

meehad74@gmail.com

‫شاهد أيضًا‬

هندسة الطاقة في حوض النيل

أعلنت وزارة الطاقة والنفط السبت عقب مباحثات مع الجانب المصري، رفع إمداد السودان عبر مشروع …