حين يصبح الاقتصاد لغةً للتفاوض مضيق هرمز.. عندما تتحول الممرات إلى أوراق قوة
مسارات د.نجلاء حسين المكابرابي

لم يعد الاقتصاد في عالم اليوم مجرد أرقام تُسجَّل في الموازنات، ولا تجارةً تتحرك بين الموانئ والأسواق؛ لقد أصبح لغةً من لغات القوة، وأداةً من أدوات التفاوض، وربما الورقة التي تستطيع أن تغيّر موازين السياسة دون أن تُطلَق رصاصة واحدة.
ولعل ما يجري حول مضيق هرمز يقدم نموذجاً بالغ الدلالة. فهذا الممر البحري الضيق بين إيران وعُمان ليس مجرد طريق للسفن، وإنما شريان حيوي للطاقة العالمية. وتشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن نحو 20.9 مليون برميل يومياً مرت عبره في النصف الأول من 2025، بما يعادل قرابة خمس استهلاك السوائل النفطية عالمياً.
هنا تتغير دلالة الجغرافيا. فالموقع الجغرافي يتحول إلى قوة اقتصادية، والقوة الاقتصادية تتحول إلى نفوذ سياسي، والنفوذ السياسي يدخل في حسابات التفاوض.
ولذلك فإن السؤال لم يعد: من يملك القوة العسكرية الأكبر؟ بل أصبح أيضاً: من يملك مفاتيح الطاقة؟ ومن يملك الممرات؟ ومن يستطيع أن يفتح الطريق أو يعرقل حركة التجارة؟
الأخطر أن اضطراب طريق واحد لا يبقى محصوراً في المنطقة. ارتفاع كلفة النقل والتأمين، اضطراب إمدادات النفط والغاز، ارتفاع الأسعار، وتأثر الأسواق العالمية؛ كلها تجعل من الممرات البحرية قضية اقتصادية وسياسية عالمية. وقد أظهرت التطورات الراهنة كيف أن اضطراب هرمز وباب المندب يمكن أن يضغط في الاتجاه نفسه على منظومة التجارة والطاقة.
لكن الأزمة تحمل درساً آخر: القوة لا تكتمل بالسيطرة على الممر، بل بالقدرة على إيجاد البديل. فالدول التي تعتمد على ممر واحد تجد نفسها أكثر تعرضاً للضغط، بينما تسعى الدول الأخرى إلى خطوط أنابيب وموانئ ومسارات بحرية بديلة. وتقدر إدارة معلومات الطاقة أن خطوطاً في السعودية والإمارات يمكن أن توفر معاً نحو 4.7 ملايين برميل يومياً من القدرة على تجاوز هرمز، وإن كانت لا تعوض كامل التدفقات المعتادة عبره.
ومن هنا يمكن فهم الاقتصاد بوصفه دبلوماسية جديدة؛ فالمفاوضات لم تعد تدور حول الحدود والأمن والسيادة، وإنما حول الموانئ، والطاقة، والاستثمارات، وسلاسل الإمداد، وطرق التجارة.
والمفارقة أن الممر الذي يجمع الدول اقتصادياً قد يتحول، في لحظة الأزمة، إلى ورقة تفاوضية تفصل بينها سياسياً.
لهذا فإن مستقبل العلاقات الدولية لن تصنعه العواصم وحدها؛ ستصنعه أيضاً الموانئ والمضائق وخطوط الأنابيب ومصادر الطاقة.
وفي عالم تتراجع فيه الحدود أمام حركة المال والسلع، يصبح السؤال الأهم:
هل تستطيع الدول أن تجعل اقتصادها جسراً للحوار، أم تتركه يتحول إلى سلاح في صراعاتها؟
وربما هنا تكمن الرسالة الأهم للسودان: الموقع الجغرافي لا يصبح ثروة بمجرد وجوده على الخريطة؛ إنما يصبح قوة عندما يتحول إلى اقتصاد، والاقتصاد إلى نفوذ، والنفوذ إلى سلام ومصالح مشتركة. فالبحر الأحمر ليس مجرد ساحل سوداني، بل يمكن أن يكون أحد مفاتيح المستقبل إذا أحسن السودان قراءة الجغرافيا بعين الاقتصاد.
جدلية الغلاء والحقوق
من المعلوم أن حقوق الإنسان لا تُقاس بما تمنحه النصوص والإجراءات، بل بما تحميه الدولة في ال…





