‫الرئيسية‬ مقالات ملتقى الإعلاميين.. بين حق العتاب ومسؤولية توحيد الصف
مقالات - ‫‫‫‏‫12 دقيقة مضت‬

ملتقى الإعلاميين.. بين حق العتاب ومسؤولية توحيد الصف

دكتور بشاره حامد جباره

شهدت الخرطوم خلال الأيام الماضية ملتقى جمع عدداً من الصحفيين والإعلاميين السودانيين من الداخل والخارج، في توقيت بالغ الحساسية، وفي ظل ظروف استثنائية فرضتها الحرب وما ترتب عليها من تشتت المؤسسات الإعلامية، وتفرق الصحفيين والإعلاميين بين الداخل والخارج.

وكان من أبرز محطات الملتقى لقاء رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان بالإعلاميين المشاركين، إلى جانب مخاطبة مدير جهاز المخابرات العامة الفريق أول أمن أحمد إبراهيم مفضل للملتقى، بما عكس اهتمام مؤسسات الدولة بدور الإعلام في المرحلة الراهنة، والحاجة إلى تطوير التواصل والحوار مع أهل المهنة.

ومن حيث المبدأ، فإن جمع الإعلاميين السودانيين في هذه الظروف يمثل خطوة يمكن البناء عليها، خصوصاً أن الحرب لم تفرّق بين المؤسسات والأسر فحسب، وإنما ألقت بآثارها المباشرة على الوسط الصحفي والإعلامي، الذي فقد كثيراً من مقراته ووسائله، واضطر عدد كبير من العاملين فيه إلى النزوح أو مغادرة البلاد.

غير أن الملتقى أثار، في المقابل، نقاشاً داخل الوسط الإعلامي بشأن آليات اختيار المشاركين، ولا سيما من لم تصلهم الدعوات، سواء من العاملين داخل السودان أو من الذين يواصلون نشاطهم الإعلامي من خارجه.

وهذا النقاش ينبغي ألا يُنظر إليه باعتباره خصومة مع الملتقى أو مع الجهة المنظمة، كما لا ينبغي في المقابل تجاهله أو التعامل معه باعتباره مجرد اعتراض لا يستحق النقاش.

فالعمل المؤسسي الناجح لا يكتفي بتنفيذ الفعاليات، وإنما يستفيد أيضاً من الملاحظات التي تثار حولها، ويحولها إلى فرص لتحسين الأداء وتطوير آليات العمل.

حق العتاب وحق المؤسسة في الاختيار

من حق الصحفي أو الإعلامي الذي لم تتم دعوته أن يتساءل عن معايير الاختيار، ومن حقه أن يعبر عن عتبه وملاحظاته بأسلوب مهني مسؤول.

وفي المقابل، من حق الجهة المنظمة لأي ملتقى أن تضع قائمة محددة للمشاركين وفق اعتبارات تتعلق بطبيعة البرنامج وعدد المقاعد والتمثيل المطلوب وغيرها من الاعتبارات التنظيمية.

ومن ثم، فإن عدم دعوة صحفي أو إعلامي إلى فعالية محددة لا ينبغي أن يُفسر تلقائياً باعتباره انتقاصاً من وطنيته أو تاريخه المهني، كما أن توجيه الدعوة إلى آخرين لا يعني بالضرورة أنهم أكثر استحقاقاً أو عطاءً من غيرهم.

المشكلة لا تكمن في أن يشارك عدد محدود من الإعلاميين، فهذا أمر تفرضه طبيعة أي ملتقى، وإنما تكمن في أن تكون معايير الاختيار واضحة قدر الإمكان، وأن تتوافر آليات أخرى تتيح لمن لم يشارك أن يكون جزءاً من الحوار الأوسع.

وهنا يمكن تحويل الملاحظة إلى فرصة مؤسسية مهمة، من خلال تنظيم لقاءات لاحقة، أو جلسات متخصصة، أو منصات حوارية تجمع مجموعات أوسع من الصحفيين والإعلاميين.

إعلاميو الداخل والخارج

ومن المهم في هذا السياق تجنب المقارنة التي تضع إعلاميي الداخل في مواجهة إعلاميي الخارج.

فالإعلامي الذي بقي داخل السودان خلال الحرب يستحق التقدير على ما واجهه من ظروف ومخاطر، كما أن الإعلامي الذي اضطر إلى مغادرة البلاد لا ينبغي أن يُنظر إليه تلقائياً باعتباره بعيداً عن قضايا وطنه.

لقد عمل كل طرف في ظروف مختلفة، وأدى دوره وفق الإمكانات المتاحة له.

وقد يكون الإعلامي في الداخل أقرب إلى الحدث وأكثر قدرة على نقل تفاصيله، بينما يمتلك الإعلامي في الخارج مساحة أوسع للتواصل مع المنابر والمنظمات والجمهور السوداني في الشتات والرأي العام الإقليمي والدولي.

ولهذا فإن المعيار المهني ينبغي أن يكون الكفاءة، والمصداقية، والمسؤولية، والقدرة على خدمة الحقيقة والمصلحة الوطنية، وليس مجرد مكان إقامة الصحفي.

إن تقسيم الوسط الإعلامي إلى «داخل» و«خارج»، لا يخدم أحداً، ولا يساعد في بناء مؤسسة إعلامية وطنية قادرة على التعامل مع مرحلة ما بعد الحرب.

الملتقى بداية للحوار وليس نهايته

ولعل أفضل ما يمكن أن يخرج به الجميع من هذه التجربة هو أن يكون الملتقى بداية لحوار إعلامي أوسع، وليس مناسبة تنتهي بانتهاء جلساتها.

فالسودان يحتاج إلى حوار مهني مستمر بين المؤسسات الرسمية والصحفيين والإعلاميين، يحتاج إلى الاستماع إلى مختلف التجارب، ومناقشة التحديات التي تواجه الإعلام، ووضع تصور عملي لإعادة بناء المؤسسات الصحفية والإعلامية التي تضررت بسبب الحرب.

ومن المفيد مستقبلاً أن تكون معايير اختيار المشاركين أكثر وضوحاً كلما أمكن ذلك، وأن تراعي التنوع المهني والجغرافي، وتمثيل الصحافة والإذاعة والتلفزيون والإعلام الرقمي، إلى جانب تمثيل الإعلاميين في الداخل والخارج.

ليس المقصود هنا فرض آلية واحدة للاختيار، وإنما الوصول إلى قدر أكبر من الوضوح والتمثيل الذي يقلل من سوء الفهم ويعزز الثقة بين المؤسسات وأهل المهنة.

مسؤولية مشتركة

وفي المقابل، تقع مسؤولية مماثلة على الإعلاميين أنفسهم.

فالاختلاف في الرأي حق مهني، والنقد حق مشروع، والعتب مفهوم، لكن هذه الحقوق ينبغي أن تمارس في إطار يحفظ الاحترام ويمنع تحول الخلاف المهني إلى خصومة شخصية أو اصطفاف داخل الوسط الإعلامي.

كما أن على الإعلاميين أن يدركوا أن المرحلة الراهنة أكبر من مناسبة واحدة، وأن مسؤولية الإعلام لا تتوقف عند المشاركة في المؤتمرات والملتقيات، وإنما تمتد إلى المهنية في نقل الأخبار، والدقة في المعلومات، واحترام حق الجمهور في المعرفة، وتوثيق الأحداث، ومواجهة التضليل، والإسهام في بناء الوعي العام.

وهذه المسؤولية تشمل الإعلاميين في الداخل والخارج على السواء.

وحدة الصف الإعلامي ضرورة وطنية

السودان اليوم أمام تحديات كبيرة، وفي مثل هذه الظروف يصبح تماسك المؤسسات الوطنية، ومن بينها المؤسسات الإعلامية والصحفية، أمراً بالغ الأهمية.

فالإعلام ليس مجرد ناقل للأخبار، وإنما مؤسسة مؤثرة في تشكيل الرأي العام، ولذلك فإن أي انقسام داخل الوسط الإعلامي ينعكس بصورة أو بأخرى على المشهد العام.

ومن هنا، فإن المطلوب ليس إلغاء الاختلاف، وإنما إدارته بصورة مهنية.

ليس المطلوب أن يتفق الصحفيون في كل شيء، وإنما أن يعرفوا كيف يختلفون دون أن يتحول اختلافهم إلى قطيعة.

وليس المطلوب أن تتوقف المؤسسات عن النقد، وإنما أن يكون النقد قائماً على المعلومات، والوقائع، والمصلحة العامة.

كما أن المؤسسات الرسمية مطالبة، في المقابل، بمواصلة التواصل مع أهل الإعلام، والاستماع إلى ملاحظاتهم، وتوسيع دائرة اللقاءات كلما أمكن، حتى لا يبقى أي ملتقى محدود العدد سبباً في شعور البعض بالتهميش.

إن معالجة هذه المسألة لا تحتاج إلى سجال طويل، وإنما تحتاج إلى مزيد من التواصل.

فمن لم تتم دعوته اليوم يمكن أن يكون شريكاً في لقاء الغد، ومن شارك اليوم يمكن أن يكون جزءاً من لقاء آخر يضم زملاءه، وبذلك يتحول الاختلاف من مصدر احتقان إلى فرصة لتوسيع دائرة المشاركة.

السودان هو القضية الأكبر

في النهاية، ينبغي ألا نسمح لاختلاف حول الدعوات أو التكريم بأن يحجب القضية الأكبر.

لقد مرت على السودان سنوات قاسية، وتعرض شعبه ومؤسساته لأزمة غير مسبوقة، ودفع الجميع ثمناً باهظاً.

وفي هذه المرحلة تحديداً، فإن المطلوب من أهل الإعلام أن يكونوا جزءاً من مشروع استعادة التماسك الوطني، وأن يضعوا المصلحة العامة فوق الاعتبارات الشخصية، وأن يحافظوا على مساحة الاختلاف المهني دون أن يسمحوا لها بالتحول إلى انقسام داخل الصف الوطني.

من حق من لم تتم دعوته أن يعاتب، ومن حقه أن يسأل وينتقد. ومن حق الجهة المنظمة أن تختار المشاركين وفق ما تراه مناسباً. لكن من مسؤولية الجميع ألا يتحول الاختلاف في التقدير إلى خلاف في الموقف الوطني.

فالمرحلة تحتاج إلى أن تتكامل المؤسسات الإعلامية والصحفية، وأن تتعاون فيما بينها، وأن تفتح قنوات التواصل مع جميع أهل المهنة، وأن تجعل من الإعلام مساحة للحوار المسؤول، لا ساحة جديدة للاستقطاب.

فالغاية ليست أن ينتصر طرف على طرف، وإنما أن ينتصر السودان بوحدة أبنائه، وتماسك مؤسساته، وتعاون إعلامييه وصحفييه.

وإذا كان هناك درس يمكن أن نخرج به من هذا الجدل، فهو أن الملتقى القادم ينبغي ألا يكون بديلاً عن التواصل المستمر، وأن يكون هذا الملتقى بداية لمسار إعلامي أوسع وأكثر شمولاً.

وفي النهاية:

نختلف مهنياً، ولكن لا نتفرق وطنياً.

نعاتب، ولكن لا نتخاصم.

ننتقد، ولكن لا نهدم.

نختلف في الوسائل، ونتفق على أن مصلحة السودان فوق الجميع.

إن السودان يحتاج اليوم إلى إعلام قوي ومهني ومسؤول، وإلى مؤسسات صحفية وإعلامية متعاونة، وإلى صحفيين وإعلاميين يدركون أن الكلمة مسؤولية، وأن المرحلة لا تحتمل تبديد الجهد في صراعات جانبية.

السودان أولاً، والمصلحة الوطنية أولاً، ووحدة الصف الإعلامي جزء من وحدة الصف الوطني.

(وطن واحد.. جيش واحد.. شعب واحد.. وإعلام وطني مسؤول يخدم السودان.)*دكتور بشاره حامد جباره* الامين العام لمركز عبدالله حسين العاقب الدولي للدراسات السياسية والاستراتيجيه*

‫شاهد أيضًا‬

جدلية الغلاء والحقوق

من المعلوم أن حقوق الإنسان لا تُقاس بما تمنحه النصوص والإجراءات، بل بما تحميه الدولة في ال…