السودان.. الامتحان الأخلاقي
أصل_القضية | من سلسلة الجسر والمورد د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

في مقالات سابقة تحدثنا عن مسار الأزمة، وقبلها توقفنا عند الفوضى الوظيفية، وقرأنا الحرب باعتبارها تجاوزت كونها مواجهة عسكرية إلى أداة تتداخل فيها السياسة والاقتصاد والمجتمع والإدراك. واليوم يبدو أن الأزمة قررت أن تضعنا جميعًا أمام امتحان آخر، ربما يكون أصعب من ارتفاع الأسعار وانخفاض العملة: الامتحان الأخلاقي.
فبين الأمس واليوم، لم يتغير السودان وحده؛ تغير مزاج السودانيين أيضًا.
أسعار ترتفع، وقود يشح، جنيه يفقد من قيمته، وأسر تحاول تدبير نفقات الحياة في وقت لا تكاد فيه الدخول تلاحق شيئًا من الأسعار. وفي قلب هذا المشهد تقف الأسرة السودانية أمام موسم آخر من المواجهة: تقديم الأبناء للجامعات، الرسوم، السكن، المواصلات، الكتب، ومصاريف تتزايد بينما تتراجع القدرة على مواجهتها.
هنا لا نتحدث عن أرقام في تقرير اقتصادي؛ نتحدث عن أسرة قد تضطر إلى الاختيار بين مستقبل ابنها وضرورات يومها.
وفي ذروة هذا الضغط، انقسم الناس إلى مواقف مختلفة: من يدعو إلى الخروج إلى الشارع واستعادة سيناريو 2018م، ومن يرى أن الحل في استقالة أو إقالة الحكومة، ومن يطرح عسكرة الفترة الانتقالية باعتبارها المخرج، ومن يعود إلى مقارنة الحاضر بعهد الرئيس السابق عمر البشير وكيف كانت الدولة تتعامل مع الأزمات.
كل ذلك كان بالأمس….
ثم جاء الصباح…
انخفض الدولار بصورة كبيرة، ..
وتناقلت المنصات أخبار انخفاض أسعار السكر وغيرها، فتحول المزاج العام في ساعات قليلة. تعليقات تتدفق، وبوستات تتناسل، وفرحة بالانخفاض تكاد تمحو غضب الأمس.
وهنا يبدأ الامتحان.
هل انخفض الدولار فعلًا، أم انخفضت حرارتنا تجاه الأزمة؟
فالسؤال ليس عن الرقم وحده، وإنما عن مساره.
في مقال سابق قلنا إن الأزمة لا تُفهم من لحظة صعودها أو هبوطها، وإنما من الطريق الذي تسلكه. فإذا ارتفع الدولار ثم انخفض، فالسؤال ليس فقط كم أصبح سعره اليوم؟ بل: هل عاد إلى المستوى الذي كان عليه؟ وهل تغيرت العوامل التي دفعته إلى الارتفاع؟ وهل الانخفاض مستدام، أم مجرد استراحة قبل حركة أخرى؟
هذه هي المسافة بين قراءة الخبر وقراءة الأزمة.
وتزامن ذلك مع أخبار عن القبض على أحد كبار تجار العملة في الخرطوم، وأخبار أخرى عن ضبط مخزن كبير. وهي أخبار مهمة في ذاتها، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أنها السبب المباشر لانخفاض سعر الدولار؛ فالاقتصاد أعقد من أن تختصر حركته في عنوان واحد.
لكن الأخطر أن نبحث دائمًا عن سبب سريع يريحنا.
إذا ارتفع الدولار قلنا تاجر العملة. وإذا انخفض قلنا القبض على تاجر العملة. وإذا ارتفعت الأسعار قلنا: السوق. وإذا انخفضت قلنا: الحكومة نجحت.
بينما السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل ذلك:
ما الذي تغير في بنية الأزمة؟
وهنا تحديدًا يظهر معنى الامتحان الأخلاقي ، إنه ليس امتحانًا في الصبر على الغلاء، ولا دعوة إلى الصمت، ولا مطالبة للمواطن بأن يتخلى عن غضبه أو مطالبه. إنه امتحان في الإنصاف مع الحقيقة.
أن نختلف سياسيًا دون أن نحول اختلافنا إلى معلومات انتقائية.
أن نغضب من أداء الحكومة دون أن نجعل الغضب دليلًا على كل شيء.
أن نفرح بانخفاض الأسعار دون أن نحوله إلى شهادة نجاح نهائية.
أن نقارن الماضي بالحاضر بالأرقام والنتائج، لا بذاكرة انتقائية يصنعها الحنين أو الغضب.
وأن نسأل قبل أن نشارك خبرًا أو حكمًا: هل هذا ما حدث فعلًا، أم ما أريد أن يكون قد حدث؟
فالامتحان الأخلاقي الحقيقي في زمن الأزمة هو علاقتنا بالحقيقة عندما لا توافق مزاجنا.
وقد يكون هذا أخطر من الأزمة الاقتصادية نفسها؛ لأن المجتمع الذي يفقد قدرته على التمييز بين الخبر والمسار، وبين المؤشر والنتيجة، وبين الرغبة والحقيقة، يصبح سهل الانقياد لكل موجة جديدة.
> الدولة تُختبر عندما ترتفع الأسعار، والمجتمع يُختبر عندما تتغير الأسعار.
والسودان اليوم لا يحتاج فقط إلى من يدير الأزمة، بل إلى من يفهم مسارها ولا يحتاج فقط إلى قرارات عاجلة، بل إلى مجتمع لا تسمح له عناوين الصباح بأن ينسى أسئلة الأمس.
في رؤية الجسر والمورد نؤمن أن الأزمة يمكن أن تكون فرصة، لكن الفرصة لا تبدأ من انخفاض رقم في شاشة، وإنما من ارتفاع مستوى الوعي.
فالسؤال الحقيقي ليس ماذا حدث اليوم؟ بل ماذا يعني ما حدث اليوم لمسار الغد؟
ذلك هو الامتحان الأخلاقي..
أن نختلف دون أن نضلل، وأن نغضب دون أن نفقد البصيرة، وأن نفرح دون أن نستعجل الحقيقة.
فحين تنتهي الأزمة، ستراجع الدولة أرقامها ودفاترها، وسيراجع الناس خسائرهم لكن المجتمع سيواجه مراجعة أعمق..
> كيف كان يفكر عندما كانت الحقيقة نفسها تتقلب أمامه؟
وهنا بالضبط #أصل_القضية
السودان ومنظمة العمل العربية يتفقان على خطة لإعادة بناء سوق العمل
اتفق وزير تنمية الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية، معتصم أحمد صالح، والمدير العام لمنظمة…





