‫الرئيسية‬ مقالات مزاعم الكيماوي.. الراية الزائفة
مقالات - ‫‫‫‏‫3 دقائق مضت‬

مزاعم الكيماوي.. الراية الزائفة

كلام من اتجاه واحد.. بقلم: د. عبدالماجد هرون عبدالماجد

في حروب الجيل الخامس، يتم استخدام الاتهامات السياسية كأداة متقدمة من أدوات الدعاية وذلك بعد هندستها بدقة داخل غرف التخطيط الإعلامي المغلقة، لتُطرح في فضاء الإدراك العام كتمهيد دبلوماسي وإعلامي تقتضيه تحولات الميدان واستحقاقات المصالح الخارجية. وما تشهده الساحة السودانية حاليا يمثل تطبيقا نموذجيا لاستراتيجية الرايات الزائفة (False Flags) التي تُوظف كرافعة ضغط جيوسياسي ضد الدولة الوطنية كلما اتجه الميزان الاستراتيجي لغير صالح القوى الإقليمية والدولية المهندسة للأزمة، ولعل أحدث هذه التطورات وأكثرها حساسية هي تلك المزاعم المتجددة حول استخدام الأسلحة الكيميائية في السودان.

إن هذه الادعاءات تخضع في جوهرها لما يُعرف في أدبيات العلوم السياسية والعسكرية (ببناء الذريعة الأخلاقية) ، وهي آلية تقوم على اختلاق تهمة ذات طابع تجريمي واضح تمتلك حساسية إنسانية فائقة في القانون الدولي، بما يحرم الطرف المستهدف من القدرة على الرد التقليدي السريع، ويسهل في المقابل على القوى المهيمنة حشد التعاطف الدولي لتجريد مؤسسات الدولة من مشروعيتها القانونية، تمهيداً لفرض حصار جيوسياسي وعقوبات ذكية تحت غطاء حماية السلم الدولي وحسن النوايا. والأهم في سياق هذا النمط من الحروب النفسية والإدراكية، أن هذه الفرضيات لا تلتزم بتقديم قرائن مادية دامغة أو أدلة جنائية ملموسة، بل تعتمد على آلية (التدفق التراكمي الممنهج ) عبر المنصات الإعلامية العابرة للحدود بهدف تحويل الفرية إلى (حقيقة افتراضية) سائدة في الوعي الجمعي دون إخضاعها للتمحيص الفني. وإذا ما وضعنا المشهد السوداني الراهن على مشرحة التحليل المنهجي وقوانين حركية الميدان، سنرصد (معادلة تناظر وتزامن) بالغة الدقة، فكلما حققت القوات المسلحة السودانية اختراقا استراتيجيا في المحاور العملياتية، وانحسرت الرقعة الجغرافية للميليشيا، وصاحب ذلك انفتاح ديبلوماسي يبشر بتعافي الدولة الوطنية، طفت على السطح فورا مزاعم علي نسق فرية الكيميائي،في محاولة واضحة لإحداث توازن حرج في مسار الصراع لفرملة الاندفاعة العسكرية للقوات المسلحة السودانية وإعادة فرض الوصاية الخارجية. ومن هنا تبرز الغايات الاستراتيجية لصناع قرار مهندسي الأزمة حيث تدرك هذه الأطراف أن هذه التهم تفتقر لأبسط معايير التحقيق الدولي، خصوصاً وأن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية لم تخلص في تقاريرها إلى ما يدعم هذه الادعاءات، فضلاً عن أن السودان موقعٌ ومصدقٌ على الاتفاقية الدولية وظل يطالب طوعاً بلجان تحقيق مستقلة ونزيهة، إلا أن الإصرار هنا لا يبحث عن (الحقيقة الفنية)بل عن (الضرورة الاستراتيجية) التي تهدف إلى تحقيق ثلاثة أبعاد: أولها شيطنة القيادة الوطنية وتصويرها ككيان خارج على القانون الدولي لتسهيل تمرير حزم العزل السيادي، وثانيها: إعاقة مسارات التعافي الداخلي والانفراج الإقليمى لإبقاء الدولة في حالة إنهاك مستمر، وثالثها: إبقاء مسارات التدخل الخارجي كخيار عملياتي مطروح فوق الطاولة بذريعة إنسانية فضفاضة. إنها باختصار تهمة لا تُراد بها إدانة فعل وقع علي الارض ، بل شرعنة وتبرير فعلٍ يُراد توجيهه ضد الدولة مستقبلا، لذلك فإن تكرار هذه النماذج من الاتهامات التي واجهها السودان في محطات سابقة وتبددت دون أثر حقيقي، يفضح اسلوب ومنهج مهندسي الأزمة الخارجيين ، فلو كانت الغاية هي تقصي الحقائق لكانت الآليات الفنية والقانونية هي المرجعية، وليست البيانات السياسية المتزامنة مع انكسار المشاريع التفتيتية في الميدان، وهنا يكمن الفارق العلمي بين (البحث عن جريمة لمعاقبة مجرم) و(صناعة جريمة لتركيع خصم) .

في الختام، إن خطورة استراتيجية الرايات الزائفة لا تكمن في ضعف بنيتها الموضوعية، بل في قدرتها على تشويه الوقائع وتوظيف المفاهيم الأخلاقية كسلاح استراتيجي لتقويض سيادة الدول، وبناءً عليه، فإن التوقيت العملياتي لإطلاق التهمة يُعد دليلا استراتيجيا يفوق في قطعيته أي قرينة فنية أخرى، وهو ما يضعنا أمام سؤال الساعة المنهجي: ماذا وراء هذا التوقيت بالذات؟ ومن المستفيد من محاصرة القرار الوطني السوداني كلما اقتربت اللحظات الحاسمة؟ إن المواجهة الميدانية قد تكون سجالا وتكتيكات متغيرة، لكن (معركة الوعي والردع الاستراتيجي) هي التي تقرر في نهاية المطاف اتجاهات الحركة ومصير السيادة الوطنية.

‫شاهد أيضًا‬

الصعوط لمجابهة الضغوط

ايقنت تماما ان تعاطي التمباك وسط السودانيين يزداد كل يوم وذلك بسبب الضغوط   في احدي ا…