‫الرئيسية‬ مقالات توحيدٌ أم إسلام
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

توحيدٌ أم إسلام

أرقاويات كتب ميرغني أرقاوي

{قُلۡ إِنَّ صَلَاتِی وَنُسُكِی وَمَحۡیَایَ وَمَمَاتِی لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ ● لَا شَرِیكَ لَهُۥۖ وَبِذَ ٰ⁠لِكَ أُمِرۡتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُسۡلِمِینَ}*

 

مصطلحُ “الإسلام” مصطلحٌ قرآني محوري، يَرِد كثيرا – هو ومشتقاتُه – مقابلَ مصطلح “الشِّرك”، بينما لم يرد مصطلح “التوحيد” ومشتقاته في الكتاب العزيز، لا في هذا الباب ولا في غيره على الإطلاق.

وكذلك لم يَرٍد هذا المصطلح ومشتقاته في السنة المطهرة إلا كقطرةٍ في بحر، إن سَلِمَتْ رواياتُه – على نُدرَتِها – مِن مَطعَنٍ في الأسانيد فلا تَسلم متُونها من شبهةٍ في أنها مَرْويةٌ بالمعنى، إلا قليلا.

وعلى الرغم من هذه الحقيقة، شاع استخدام مُفردة التوحيد، وتعددت مفاهيمه، وتباينت إلى حد التضاد، واحتكرته فِرَقُ تدعية لنفسها دون غيرها من عباد الله.

حدث ذلك منذ نشأة الخوارج والمعتزلة، ثم تسمَّت باسمه دول، واستعرت تحت رايته حروب، واستبيحت بدعاواه أعراض المسلمين وأموالهم وأهدرت بسببه دماؤهم.

ولا تزال الأمة تعاني من ويلات وفِتن تغذيها هذه الإدعاءات.

 

ولكن من تحجير الواسع، أن يُدْرَج مُصطلح “التوحيد” في باب البدع، فإن له وجهًا، ولمناصريه عليه حُجَجًا، وقد جرى على ألسنة كثير من الفضلاء وسطرته أقلامهم.

ويثور هنا سؤالان هما: هل العلة كامنة في بِنْيًة الاسم أم في توظيفه فحسب؟! وعَلَامَ الإلحاح على بيان الفروق بينه وبين مصطلح “الإسلام” ؟!

أقول:

أولا : إن الكلمات في الكتاب العزيز مصطفاة بدقة وإحكام لتهدي إلى غاياتها المباركة، وإذا عَدَل القرآن عن مفردة إلى أختها، فلمقاصد جليلة. ونقف هنا على طرف من حكمة اختيار القرآن لمصطلح الإسلام على مصطلح التوحيد.

أقول إن الفعل” أسلم” (فعل لازم) لا يأخذ مفعولا، أمَّا الفعل “وحَّد” فهو فعل متعد يلزمه المفعول ، فإن قلت (أسلم فلان) فإن ذلك يعني أن الإسلام صفةٌ للفاعل، وخُلُق متعلق به، فهو مسلم مُصطَبٍغٌ بالإسلام. أما إن قلت ( وحَّد فلانٌ ربَّه ) فالتوحيد هنا واقع على المفعول -أي الموحَّد – والفاعل هنا مَعنِيٌّ بتوحيد غيره لا بتوحيد ذاته.

وتقتضي الحكمة أن يكون الهَمُّ الأكبر للعابد أن يوحّد نفسه هو وأن يجمع شتات ذاته.

وقريب من هذا قولهم ( كلمة التوحيد) بدلا من ( كلمة الإخلاص) القرآنية السُنِّية، ففي الأولى اشتغال بالمفعول، بينما أن “كلمة الإخلاص” تُوَجِّه هَمُّ الفاعل إلى نفسه التي بين جنبيه، وذلك هو مقتضى العقل.

ولا نعنِي أنّ التوحيد ليس له أثر على الفاعل، بل نعني أن السياق اللغوي لا يَدُلُّ عليه مباشرة،

 

إذن ففي بِنْيَة كلمة التوحيد ما يصرف الفكر إلى تفاصيل ربما تتعذر الإحاطة بها. فتضل الجهود في ما لا طائل وراءه. ودونك مقالات الإسلاميين عبر التاريخ، من اتصف منهم بالسنية أوالتشيع أو غيرهما. حتى إن أكابر يقتدى بهم زلت أقدامهم في مهامه تَقَحًّموها في هذا الباب، ولو أنهم رضوا من العلم بما يستقيم به العمل،وتأسوا في ذلك بالصحابة رضوان الله عليهم لفازوا وأفلحوا.

وأقول إن من يسمونهم بالعوام ربما يكونون أعرف بالله من كثير من الخائضين في تلك المتاهات! ذلك أنَّ من العامًّة من كان علمهم الميسور وفطرتهم السليمة سببا في توفيقهم إلى العمل الصالح، فعرفوا ربهم فعبدوه ، وتوكلوا عليه فكفاهم، ودَعَوه فأجابهم، وذَكَرُوه فأورثهم خشيةً حجزتهم عن محارم الله، وحُبَّا هَداهم وَحَدَاهم إلى مراضية، وليس للمعرفة ثمار أزكى ولا أجلّ ولا أطيب من هذه.

ورحم الله أئمتنا الكرام الذين اجتهدوا في رد الناس إلى سواء السبيل، كالإمام أحمد الذي لم يُجِز الخوض في مباحث الكلام _ ولو من باب الرد على المبتدعة – لِمَا فيه من نشر للضلالات وإثارة للشبهات. ورحم الله الإمام مالكا، الذي اعتبر إثارة المسائل المشتبهة في الصفات من دلائل سوء الطوية وعلائم الضلال، ودونك رده المشهور على من سأل عن الاستواء على العرش.

وذلك دأب الأئمة الأعلام رحمهم الله،ثم خلف من بعدهم خلف من أهل الزيغ تتبعوا الشبهات، حتى بلغ ببعضهم في زماننا، أن يطوفوا بالأسواق يمتحنون العامًّة في عقائدهم بأسئلة في أمور مشتبهة مختلف فيها، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

 

والحمد لله الذي بَرَّأ مصطلح “الإسلام” من تلك الظلال التي يلْقيها مصطلح “التوحيد”، فكلمة “الإسلام” تقتضي – بدلالتها اللغوية – الالتزام بالدين، اعتقادا وقولا وعملا، حتى يغدو صفة وخلقا لأهله، فنقول: ( أسلم يسلم إسلاما فهو مسلم) ولا يعني ذلك إسقاط المعرفة بصفات المعبود سبحانه، فإن العبادة لا تستقيم إلا على المعرفة، ولكن يكفي منها الواجب الذي يقيم الدين ويهدي إلى الصراط المستقيم، فلا إفراط ولا تفريط.

 

وأقول إن أخوف ما يخاف منه، أنه يصير مصطلح التوحيد قنطرةً لابتداع عقيدة موازية، يستطيل بها دعاتها على الناس، زاعمين أنهم أهدى منهم سبيلا، فيكون فيهم شبه ممن قال فيهم المولى عزَّ وجلَّ:

 

*{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ۗ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَٰكِنْ لَا يَعْلَمُونَ}*

‫شاهد أيضًا‬

سجناء دقريس والعدوا الخارجي1

لا اعتقد ان هناك من يرفض السلام والجيش يحصد ثمرات انتصاراته في شمال كردفان وقد تحررت الارض…