اتفاقية مكة للدفاع المشترك” ميلاد “حلف الناتو العربي الجديد” وانعكاساته على أمن السودان والبحر الأحمر
د. عبدالعزيز الزبير باشا

*مقدمة: لحظة تاريخية في قلب العاصمة المقدسة*
في مشهد يختزل معنى التضامن الاستراتيجي، وقّع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، منذ أكثر من شهر في مكة المكرمة، *”اتفاقية مكة للدفاع المشترك”*.
الاتفاقية التي جاءت بعد مفاوضات استمرت قرابة عام، نصّت صراحة على أن: *”أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث سيعتبر هجوما عليها جميعا”*.
إنه بند دفاع جماعي يشبه في جوهره “المادة الخامسة” من ميثاق حلف شمال الأطلسي، لكنه هذه المرة يُكتب بحبر إسلامي وعلى أرض عربية. ولذلك لا غرابة أن وصفها البعض بأنها ولادة “حلف الناتو العربي الجديد”.
لكن السؤال الأهم: ما دلالات هذا التحالف؟ ولماذا الآن؟ وكيف سينعكس على بؤر التوتر في المنطقة، وعلى رأسها السودان والبحر الأحمر؟
*أولاً: سياق التوقيع – لماذا هذه اللحظة بالذات؟*
المنطقة تمر بمرحلة “تزايد حالة عدم اليقين” كما وصفها عبد العزيز صقر، رئيس مركز الخليج للأبحاث. ثلاثة متغيرات رئيسية فرضت هذا التحالف:
*1. تصاعد التوترات العسكرية والإقليمية*
الدول الثلاث تشعر بقلق متزايد إزاء “المواقف العسكرية العدوانية المتزايدة لكل من إسرائيل وإيران”. بعد الغارات الجوية الإسرائيلية على الدوحة وقصف إيراني لقاعدة جوية أميركية في قطر، أصبح واضحاً أن مظلة الأمن التقليدية لم تعد كافية.
*2. الحاجة إلى بنية أمنية تقودها القوى الإقليمية*
لأول مرة، ثلاث دول محورية في العالم الإسلامي تقرر أن تأخذ زمام المبادرة. السعودية بأثقلها المالي والديني، وتركيا بقدراتها العسكرية والصناعية كثاني أكبر جيش في الناتو، وباكستان كقوة نووية وحيدة في العالم الإسلامي. هذا المزيج يخلق “ثقلاً دبلوماسياً ودفاعياً مشتركاً” غير مسبوق.
*3. استكمال مسار التعاون القائم*
باكستان كانت قد أبرمت اتفاق دفاع مشترك مع السعودية العام الماضي. وتركيا لديها اتفاقيات مشتركة مع الرياض. لكن “اتفاقية مكة” نقلت العلاقة من الثنائية إلى الثلاثية، ومن التفاهم السياسي إلى الالتزام القانوني الملزم.
*ثانياً: أركان التحالف الثلاثي – تكامل لا تنافس*
قوة هذا التحالف تكمن في أن كل طرف يضيف ما ينقص الآخر:
*المملكة العربية السعودية: قلب التحالف المالي والسياسي*
هي حارس البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، وأكبر مصدر للنفط في العالم، وصاحبة المبادرة في تشكيل “تحالف دفاع بحري لحماية خطوط الملاحة”. موقعها يجعلها محور الربط بين آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط.
*الجمهورية التركية: الذراع الصناعية والعسكرية*
تمتلك ثاني أكبر جيش في الناتو، وصناعات دفاعية متقدمة في المسيّرات والأنظمة البحرية. كما أن موقعها على مفترق أوروبا وآسيا يمنح التحالف عمقاً استراتيجياً.
*جمهورية باكستان الإسلامية: مظلة الردع النووي*
كونها الدولة المسلمة الوحيدة التي تمتلك أسلحة نووية يمنح التحالف بعد ردع غير تقليدي. جيشها البالغ ستمائة ألف جندي وخبرتها القتالية الطويلة تمثل رصيداً بشرياً ضخماً.
أردوغان نفسه أكد أن الاتفاقية “ستسهم في تعزيز التعاون الأمني والدفاعي، وتنفيذ مشاريع مشتركة في الصناعات الدفاعية ومكافحة الإرهاب”.
*ثالثاً: الانعكاسات المباشرة على ملف السودان والبحر الأحمر*
هنا بيت القصيد. السودان ليس هامشاً في هذه المعادلة، بل هو قلبها الجيوسياسي.
*1. تأمين البحر الأحمر وباب المندب*
الاتفاقية جاءت لتثبت رسمياً ما كانت تدعمه باكستان وتركيا سابقاً: “تحالف دفاع بحري أعلنت السعودية تشكيله لحماية خطوط الملاحة ومسارات نقل الطاقة”.
اليوم، أي تهديد للملاحة عبر السواحل السودانية أو اليمنية سيُعامل على أنه تهديد للدول الثلاث مجتمعة. هذا يخلق مظلة ردع جديدة فوق أهم ممر مائي في العالم.
*2. إنهاء فراغ القوة وتقليص التدخلات*
الهدف المعلن للاتفاقية هو “تعزيز الردع الجماعي ضد جميع أشكال العدوان”. وجود قطب إقليمي متماسك يعني إغلاق الباب أمام القوى التي استغلت حالة السيولة في السودان خلال السنوات الماضية لتمرير أجنداتها. الرسالة: لن يُسمح بتحويل السودان إلى ساحة صراع بالوكالة.
*3. أفق للتعاون العسكري واللوجستي مع السودان*
نص الاتفاقية لا يقتصر على الدفاع فقط. يشمل “تدفقات المشتريات الدفاعية، واتفاقيات الإنتاج المشترك، وتسهيلات الوصول اللوجستي”.
مع عودة الاستقرار، يمكن للسودان أن يتحول إلى محور لوجستي لهذا التعاون. موانئ بورتسودان، والقواعد البحرية، والموقع المتوسط بين الدول الثلاث، تجعله شريكاً طبيعياً في منظومة الأمن الجديدة.
*4. دعم دبلوماسي لإعادة اندماج السودان*
“ربما يعزز الإطار الثلاثي الثقل الدبلوماسي والدفاعي المشترك”. هذا الثقل يمكن أن يُستخدم لفك عزلة السودان الدولية، ورفع اسمه من قوائم العقوبات، وإعادته إلى موقعه الطبيعي كدولة محورية و حيوية في الأمن الإقليمي.
*رابعاً: حدود التحالف وضوابطه*
لكي لا يُفهم الأمر خطأ، سارعت الأطراف إلى ضبط إطار التحالف:
1. *ليس موجهاً ضد طرف بعينه*: مسؤول تركي أكد أن “اتفاقية مكة لا تستهدف أي دولة”.
2. *ليس تحالفاً طائفياً أو نووياً*: السفير السعودي أوضح أن الاتفاق لا يمثل محاولة لتشكيل محور عسكري أو تكتل طائفي وأنه لا يرتبط بأي طموحات نووية أو سباق تسلح .
3. *مفتوح أمام الآخرين*: الاتفاقية “مفتوحة لانضمام الدول الشقيقة”. وهذا يفتح الباب أمام دول مثل مصر والإمارات وقطر للانضمام لاحقاً.
*خامساً: التحديات أمام تحويل الاتفاق إلى واقع*
التوقيع خطوة أولى. التحدي الحقيقي هو في التنفيذ:
– *التنسيق الاستخباراتي*: هل سيتم إنشاء غرفة عمليات مشتركة؟
– *التدريبات العسكرية*: مناورات بحرية وجوية مشتركة في البحر الأحمر.
– *الصناعة الدفاعية*: نقل تقنية وتصنيع مشترك للأسلحة.
– *الموقف من الأزمات و المخاطر*: كيف سيتصرف التحالف في حال نشوب أزمة في غزة، اليمن، أو السودان نفسه؟
*الخاتمة: السودان في قلب المعادلة الجديدة*
ولادة اتفاقية مكة ليست حدثاً عابراً. هي إعلان صريح بأن أمن المنطقة لم يعد رهينة للقرار الخارجي فقط.
بالنسبة للسودان، هذا التحالف يمثل ثلاث فرص تاريخية:
1. *ضمانة أمنية استراتيجية* لسواحله وموانئه في البحر الأحمر.
2. *منصة لإبراز فاعلية القوات المسلحة السودانية الباسلة* عبر التعاون العسكري والتدريب والتصنيع.
3. *غطاء دبلوماسي* ينهي حالة العزلة ويعيد السودان إلى لعب دور المحور لا الهامش.
كما قال نائب الرئيس التركي: “تمثل خطوة تاريخية من شأنها أن تسهم في تعزيز المنظومة الأمنية في منطقتنا”.
التاريخ يُكتب اليوم في مكة. وأقلام هذا التاريخ يجب أن يكون للسودان فيها نصيب.
فإما أن نكون جزءاً من صياغة الأمن الجديد، أو نُترك لتداعياته.
*_24/09/2026_*
صندوق رعاية الطلاب وجامعة الخرطوم يستكملان ترتيبات العودة الآمنة للطلاب
استكمل الصندوق القومي لرعاية الطلاب وجامعة الخرطوم ، والجهات الفنية المختصة ترتيبات العودة…





