‫الرئيسية‬ مقالات سيف الدين حسن.. صانع الدهشة
مقالات - ‫‫‫‏‫5 دقائق مضت‬

سيف الدين حسن.. صانع الدهشة

رحمة عبدالمنعم

طالعتُ اليوم السبت مقالًا للإعلامي الشامل، صاحب المفردة الأنيقة والتعابير البليغة البرّاقة عماد البشرى، عن فوز الفيلم السوداني «خمسة شهود» للمخرج سيف الدين حسن بالجائزة الذهبية الأولى للوثائقيات في الدورة السادسة والعشرين للمهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون بتونس.

 

وعماد البشرى، لمن عرفه أو جالسه، فهو «نارٌ على علم»، ليس إعلامياً عابراً في دروب المهنة، بل مثقفٌ موسوعي، واسع الاطلاع، بهيُّ العبارة، يعرف كيف يمنح المفردة ألقها، وكيف يجعل من الكتابة مجلساً أنيقاً لا تملُّ الجلوس إليه، وحين يكتب عن الإبداع، فإنه يكتب بعين العارف بقيمته، وبذائقة من يعرف الفرق بين الضجيج والأثر.

 

أما أستاذنا سيف الدين حسن فالحكاية معه تتجاوز فوزاً جديداً أو جائزةً أخرى تُضاف إلى رفوف عامرة بالتقدير، الرجل ببساطة واحدٌ من أولئك الذين لا يطاردون الجوائز بقدر ما تطاردهم الجوائز؛ لأن وراء كل تتويج سنواتٍ من الفكرة والتعب والمغامرة، والإيمان بأن الكاميرا ليست مجرد آلة تلتقط الصورة، وإنما عينٌ تحفظ الذاكرة من الضياع.

 

تسع عشرة جائزة عربية ودولية في مسيرة سيف الدين حسن، هي حصيلة مشروع طويل ظل يبنيه بصبر عبر مؤسسته المبدعة «نبتة»؛ مشروع آمن بالصورة الوثائقية، وبقدرتها على أن تحمل السودان، بوجعه وجماله وقصص إنسانه، إلى فضاءات أرحب من حدود الجغرافيا.

 

وجاء «خمسة شهود» في واحدة من أكثر اللحظات السودانية قسوة، ليضع أمام الكاميرا أصواتاً عاشت الحرب والحصار والخوف، ويحمل إلى الشاشة شهادات عن انتهاكات مليشيا الدعم السريع والمعاناة التي خلّفتها الحرب، هنا تصبح الكاميرا ذاكرةً تقاوم النسيان، وتصبح الصورة وثيقة، والشهادة أمانة، والفيلم محاولة لحفظ شيء من الحقيقة الإنسانية وسط ركام الخراب.

 

ذلك هو سيف الدين حسن كما عرفته أعماله،عينٌ تذهب إلى حيث تختبئ الحكاية، وفكرة ترى أبعد من اللحظة، ومبدع لا يكتفي بأن يصنع فيلماً جميلاً، بل يبحث عن السؤال الكامن خلف الصورة، وعن الإنسان الذي قد يمر الآخرون على حكايته دون أن يلتفتوا إليها.

 

ومع سيف لا ينبغي أن ننسى فريق «نبتة»، فالأعمال الكبيرة لا يصنعها فردٌ وحيد مهما اتسعت موهبته، خلف الصورة أيدٍ كثيرة، وعقول وقلوب، وساعات طويلة من العمل والصبر، ولعل واحدة من أجمل سمات التجربة أن سيفاً استطاع أن يصنع حوله فريقاً يؤمن بالفكرة، ويحمل معه شغف المغامرة، حتى غدت «نبتة» اسماً له حضوره في فضاء الفيلم الوثائقي السوداني.

 

ويبقى السؤال المؤلم، ماذا لو وجد أمثال سيف الدين حسن في بلادنا ما يستحقونه من رعاية؟ ماذا لو تعاملنا مع المبدع باعتباره ثروة وطنية، لا ترفًا يمكن تأجيله؟ ماذا لو وجدت هذه الأفكار والمشروعات والأفلام من المؤسسات الرسمية والثقافية ما يليق بها من سند وتمويل ومساحات؟

 

فالأمم الواعية لا تنتظر العالم حتى يصفق لمبدعيها ثم تلتفت إليهم، بل تكتشفهم أولًا، وتحمي تجاربهم، وتفتح أمامهم الأبواب؛ لأنها تعرف أن القوة ليست في السلاح والاقتصاد وحدهما، وإنما في الصورة والرواية والذاكرة والفن أيضاً.

 

ومن أوجاع واقعنا أننا كثيراً ما نغدق الضوء على العابر والهامشي، بينما يقطع أصحاب المشروعات الحقيقية طرقهم الطويلة بإمكانات محدودة،ثم لا ننتبه إليهم إلا حين تأتي جائزة من الخارج لتقول لنا، هنا مبدع كان يستحق أن تروه منذ زمن.

 

إن سيف الدين حسن لا يحتاج إلى جائزة حتى نعرف قدره، وإن كانت الجوائز شهادة مهمة على قيمة مشروعه، فالجائزة تنتهي مراسمها، وتُطوى سجادة المهرجان، ويعود الناس إلى بلادهم، أما الذي يبقى حقاً فهو العمل والأثر، والذاكرة التي حفظتها الكاميرا.

 

وسيبقى سيف في تقديري، مدرسةً سودانية في صناعة الوثائقي؛ مدرسةً تقول إن الفكرة الكبيرة قد تبدأ بإمكانات متواضعة، لكنها حين تجد صاحبها المؤمن بها تستطيع أن تعبر الحدود. وسيظل مشروع «نبتة» شاهداً على أن السودان رغم كل ما أثقل روحه، ما يزال قادرا على أن ينبت من بين الشقوق فناً ودهشةً، وحكايةً تستحق أن يراها العالم.

 

فهنيئاً لسيف الدين حسن وفريق «نبتة» هذا التتويج، وهنيئاً للسودان بمبدع حمل ذاكرته إلى الشاشة..والتحية لعماد البشرى صاحب القلم الذي يعرف كيف يحتفي بالجمال حين يراه،أما سيف الدين حسن، فليواصل طريقه كما عرفناه، فبعض المبدعين يذهبون إلى المهرجانات بحثاً عن الجوائز، وبعضهم مثل سيف، يمضي خلف فكرته… فتتبعه الجوائز.

‫شاهد أيضًا‬

من تصانيف القدر والغدر

من تصانيف القدر والغدر معا ، يقال والعهدة على الرواي ان الرئيس الاثيوبي أبي أحمد قام بالسط…