‫الرئيسية‬ مقالات السودان.. الحوار الذي لا يصل إلى المواطن
مقالات - ‫‫‫‏‫دقيقتان مضت‬

السودان.. الحوار الذي لا يصل إلى المواطن

 د.نجلاء حسين المكابرابي 

حين يصبح الوطن غنيمةً للصراع، يصبح الحوار ضرورةً لا ترفاً

 

السودان يحتاج إلى حوار يجيب عن الأسئلة التي صنعت الأزمة نفسها: من يحكم؟ كيف تُدار الدولة؟ لمن تكون الثروة؟ وكيف نعيد بناء وطن يشعر فيه السوداني، أياً كان إقليمه أو قبيلته، بأنه مواطن كامل الحقوق؟

 

هذه هي النقطة التي يجب أن يبدأ منها أي حديث جاد عن مستقبل السودان.

 

فقد بدأت بالفعل مبادرات للحوار السوداني ـ السوداني، ورحبت بها مفوضية الاتحاد الأفريقي، التي شددت على شمول القوى المدنية والسياسية والمجتمعية وعلى الملكية السودانية للعملية السياسية. لكن الخلاف حول المشاركين وشروط الحوار ومكانه ومساره ما زال قائماً. وهذا يعني أن نجاح الحوار لم يُحسم بعد؛ بل إن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما ينتقل من المبادرات إلى اتفاق قابل للتنفيذ.

 

والحقيقة الأكثر إلحاحاً أن المواطن لا يعيش تفاصيل الصراع السياسي بقدر ما يعيش نتائجه.

 

يعيش الغلاء، وتراجع قيمة العملة، وتآكل الدخل، وانهيار الخدمات. وتشير بيانات منشورة في يوليو 2026 إلى ارتفاع التضخم السنوي إلى 51.28% في يونيو، بينما أفادت رويترز في سبتمبر بأن الجنيه السوداني فقد نحو نصف قيمته منذ بداية الصيف في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش.

 

وفي المقابل، يقف السودان فوق ثروات هائلة.

 

الذهب، والصمغ العربي، والثروة الحيوانية، والزراعة، والموانئ، والأراضي والمياه؛ كلها يمكن أن تكون أدوات للنهوض، لكنها في ظل اقتصاد الحرب أصبحت مرتبطة أيضاً بتمويل الصراع وشبكات التجارة غير الرسمية. وقد حذرت الأمم المتحدة من أن استغلال الموارد والطرق التجارية أصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، داعية إلى قطع الصلات بين تجارة الموارد وتمويل الانتهاكات.

 

وهنا يصبح السؤال السياسي سؤالاً اقتصادياً وأخلاقياً في الوقت نفسه: كيف يمتلك السودان كل هذه الموارد، ثم يعجز المواطن عن تأمين احتياجاته الأساسية؟

 

لكن أخطر ما يهدد السودان ليس الفقر ، وإنما أن تتحول الحرب إلى إعادة تشكيل للهوية الوطنية على أساس القبيلة والجهة والإثنية.

 

لقد وثقت الأمم المتحدة أن الصراع شهد انتهاكات استهدفت مدنيين على أساس الإثنية أو الانتماء السياسي، وحذرت من خطاب التحريض والتجريد من الإنسانية.

 

وهذا خط أحمر.

 

فالقبيلة جزء من النسيج الاجتماعي السوداني، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن الدولة. والجهوية واقع اجتماعي، لكنها لا يجوز أن تتحول إلى معيار للمواطنة. أما العنصرية، أياً كان مصدرها واتجاهها، فهي طريق مباشر إلى تفكيك السودان.

 

ومن هنا فإن عبارة «بيع السودان في الخفاء» يجب ألا تتحول إلى شعار بلا دليل، كما لا يجوز أن تتحول إلى ذريعة لإغلاق باب الأسئلة المشروعة. كل اتفاق يتعلق بالموارد أو الموانئ أو الأراضي أو الديون أو الاستثمارات الاستراتيجية يجب أن يكون واضحاً للشعب، وتحت رقابة مؤسسات الدولة والقانون.

 

السودان لا يحتاج إلى أسرار أكثر؛ يحتاج إلى شفافية أكثر.

 

الحوار الحقيقي إذن ليس صفقة بين النخب، ولا ترتيبات لتوزيع السلطة، ولا مؤتمراً ينتهي ببيان سياسي.

 

الحوار الحقيقي هو الذي يضع على الطاولة وقف الحرب، ووحدة الدولة، والعدالة، والمواطنة، وإدارة الموارد، وإصلاح الاقتصاد، ومحاربة خطاب العنصرية والقبلية، وبناء مؤسسات لا تخضع للأفراد أو الجماعات.

 

وإذا نجح السودانيون في ذلك، فلن يكون الحوار مجرد مخرج من الحرب، بل بداية لعقد وطني جديد.

 

أما إذا ظل المواطن جائعاً، والثروة خارج الدورة الوطنية، والهوية رهينةً للقبيلة، والقرارات الكبرى محاطةً بالغموض، فإن أي اتفاق سياسي سيظل ناقصاً مهما كان جميلاً في نصوصه.

 

السودان لا يحتاج من يتقاسمون خرابه؛ يحتاج من يتفقون على كيفية بنائه.

 

وهنا يبدأ السؤال الحقيقي:

 

هل يكون الحوار طريقاً لإنقاذ السودان، أم مجرد محطة جديدة في صراع طويل على السودان؟

‫شاهد أيضًا‬

رئيس الوزراء.. صناعة الإحراج

أحيانًا يُحرج المسؤول من يحيطون به، من فريق المستشارين أو الإعلاميين، حين لا يحسنون قراءة …