في رحاب المولد النبوي الشريف … وفاءٌ لرمز الذكر والخير الخليفة نور الدين الشايب رحمه الله.
عبد الكريم ابراهيم

في ليلةٍ تضوعت بنفحات المحبة ، وتعطرت بذكر المصطفى العدنان ، وترددت في أرجائها الصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين ، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، أحيت أسرة الراحل المقيم الخليفة نور الدين الحسن نور الدين (الشايب) ، مساء الجمعة الثاني من أكتوبر 2026م ، بداره العامرة بحلفاية الملوك ، ليلة المولد النبوي الشريف .
ولم تكن الليلة مجرد مناسبةٍ عابرة ، بل كانت صفحةً ناصعة من صفحات الوفاء ، ومشهدًا بديعًا امتزجت فيه مشاعر الحنين إلى الراحلين بفرحة الاحتفاء بميلاد خير البرية صلى الله عليه وسلم ، فاجتمعت القلوب على المحبة ، والتقت الأرحام على صلة الود ، وتآلفت الأرواح في رحاب الذكر والمديح والدعاء ، في مشهدٍ مهيب احتشد فيه الأهل والأحباب وأبناء المنطقة ، حتى غدت الدار العامرة وكأنها قبلةٌ للقلوب ومهوىً لأهل الصفاء .
وقد ازدانت هذه الأمسية المباركة بحضور نخبةٍ كريمة من العلماء والأئمة والدعاة وخلفاء ومشايخ الطرق الصوفية ، يتقدمهم العالم الجليل ومرشد الطريقة الختمية بحلفاية الملوك ، فضيلة مولانا عبد الرؤوف أحمد موسى (حران) ، إلى جانب ممثلي الطريقة الختمية بمنطقة بحري ، وجمعٍ مقدر من خلفاء ومشايخ الطرق الصوفية القادمين من أنحاء العاصمة والولايات ، فكان حضورهم إضافةً روحانيةً زادت الليلة نورًا وبهاءً ، وأكدت عمق الصلات التي جمعت الراحل بأهل الذكر والطريقة .
وقدمت في الاحتفائية محاضرةٍ قيمة في السيرة النبوية العطرة ، قدمها فضيلة الشيخ عبد الرؤوف أحمد موسى ، تناول فيها جملةً من الدروس والعبر المستقاة من السيرة المطهرة ، فأنصتت لها الأسماع ، ووعتها القلوب ، وتفاعل معها الحضور بما يليق بمقام الحديث عن صاحب الخُلق العظيم صلى الله عليه وسلم كما عدد فيها المناقب الثرة للخليفة الشايب .
ثم توالت فقرات الليلة ، فارتفعت أصوات الحضور بقراءة المولد العثماني ، وتعطرت أجواء المكان بالأدعية والابتهالات والمدائح النبوية الشجية ، التي صدحت بها حناجر المداحين ، فشنفت الآذان وأيقظت في النفوس معاني المحبة والشوق إلى طيبة الطيبة ، وإلى صاحب المقام المحمود ، سيدنا الحبيب المحبوب محمد صلى الله عليه وسلم .
وكانت لحظات الذكر والمديح كأنها جسرٌ يصل حاضر الأسرة بماضيها ، ويصل الأحياء بالراحلين ، فكل دعاءٍ كان يحمل في طياته وفاءً ، وكل مدحةٍ كانت تستدعي ذكرى ، وكل اجتماعٍ كان يؤكد أن أثر الإنسان الصالح لا ينقضي برحيله ، وإنما يبقى ما بقي الذكر الطيب والعمل الصالح والقلوب التي تحفظ الجميل .
وتأتي هذه المناسبة امتدادًا لنهجٍ إيماني أصيل أرّس دعائمه الراحل المقيم الخليفة نور الدين الحسن نور الدين (الشايب) ، المولود والمدفون بحلفاية الملوك ( 1910م -1998) ، والذي عاش حياةً امتزج فيها التدين بالعمل ، والتواضع بالكرم ، والعبادة بالسعي الشريف .
فقد رحل والده وهو في السابعة من عمره ، فنشأ في كنف أسرةٍ عرفت بالعلم والتدين والعمل ، وأحاطته والدته الفاضلة فاطمة ، الملقبة بالحلوة ، بالرعاية والعناية ، فشبّ على قيم الدين والأخلاق ، وتلقى تعليمه الأول كما سرد لي ابنه ابن اختي الأستاذ والخبير الإعلامي المعروف د.عبد العظيم نور الدين في خلوة عمه الشيخ محمد نور الدين ، ثم في خلوة الفكي شمس الدين ، فنهل من معين القرآن والعلم والتربية الروحية .
ولم تكن الخلوة عنده مقامٍ للتعلم فقط ، بل كانت مدرسةً لصناعة الإنسان ، فجمع بين ما تلقاه من علوم الدين وما مارسه من عملٍ في الأرض ، إذ عمل بالزراعة في أراضي أسرته بـالجزيرة وجروف نور الدين ، فكان في حياته مثالًا للإنسان الذي يجمع بين عبادة الله وعمارة الأرض ، وبين صفاء الروح وشرف الكسب .
وتروي الرواية المتوارثة في الأسرة أن تسميته «نور الدين» جاءت تيمّنًا بجده نور الدين بابكر محمد بشير ، الممتد نسبه وفق الرواية الأسرية المتواترة ، إلى الشيخ أحمد زروق المغربي ، كما ارتبطت الأسرة بنسبٍ إلى أسرة الشيخ عجيب الثالث .
أما لقب «الشايب» ، كما يحكي الخليفة عبد العزيز (عوض الشايب) و د.عبد العظيم متعهما الله بالصحة والعافية بجانب ذكر الرواية الأسرية ، أنه جاء نسبةً إلى خاله ، في سياق عادة اجتماعية قديمة كانت سائدة لدى أهلنا ، حيث كانت المرأة تتحاشى النطق باسم زوجها أو صهرها ، فتستخدم اللقب أو الكنية بدلاً من الاسم.
وقد تركت الأسرة بصماتها في ذاكرة المكان وأسماء مواضعه ، فكان من بينها «فريق الحلوة» ، الذي ارتبط اسمه بوالدته الفاضلة فاطمة «الحلوة» ، كما عُرفت في المنطقة قديمًا «حِلّة ود الشايب» ، التي اندثرت مع تعاقب السنين ، ويُرجح أن موقعها كان بالقرب من مركز البحوث والاستشارات الصناعية ومدافن الأسرة بحلفاية الملوك .
وهكذا لم تعد تلك الأسماء تسمياتٍ جغرافية فقط ، بل تحولت إلى شواهد صامتة تحفظ شيئًا من سيرة أهلها ، وتروي للأجيال القادمة أن للأماكن ذاكرةً كما للناس ذاكرة ، وأن أسماء الحلال والفرقان والأراضي كثيرًا ما تختزن وراءها قصص الرجال والنساء الذين عمروها وسكنوا فيها وتركوا آثارهم بين جنباتها .
وينتمي الخليفة نور الدين الشايب إلى بيتٍ واسع الامتداد ، عريق الصلات والذكر في حلفاية الملوك ، تتفرع منه أسرٌ كريمة ، من بينها أسر آل عوض الله صالح مفتي السودان في وقت مضى وآل الدكتور دفع الله عبد الوهاب ، وآل الأستاذ عثمان الهاشمي ، وآل الأستاذ معتصم صالح ، وآل كبير حمد ، وغيرهم من فروع الأسرة وأبنائها.
كما كان له إخوة كرام ، في مقدمتهم محمد نور الدين (ود الحلوة) ، والد الأستاذ عبد الرحيم محمد الحسن ، وبابكر الحسن (ود الحاج) ، والد الأساتذة والبروفيسورات الطيب وعثمان وعبد الوهاب وعبد السلام بابكر وإخوانهم .
وكانت تلك الأسرة ، بما جمعته من أواصر القربى والمصاهرة والمودة ، واحدةً من البيوت التي ظلت حاضرةً في النسيج الاجتماعي والديني لحلفاية الملوك .
وانضم الخليفة نور الدين الشايب إلى الطريقة الختمية في وقت مبكر ، وكان من كبار مؤيديها ، وظل وفيًا لطريقها ونهجها ، وجعل من الاحتفاء بالمولد النبوي الشريف موعدًا سنويًا تتلاقى فيه القلوب على الذكر، وتتوحد فيه الأسرة والأهل والأحباب على المحبة والصلاة على النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم ،
وظل هذا التقليد حيًا بعد رحيله ، إذ حمل أبناؤه وأحفاده الراية من بعده ، وفاءً لسيرته ، وصونًا لإرثه الروحي والاجتماعي ، حتى غدا المولد النبوي في دار الخليفة نور الدين مناسبةً تتجدد فيها الذكرى ، وتُستعاد فيها سيرة الرجل الذي جعل من الذكر بابًا إلى المحبة ، ومن الاجتماع على الخير جسرًا يصل الأجيال بعضها ببعض .
وقد واصل هذا الطريق أبناؤه ، الخليفة عبد العزيز «عوض الشايب» ، والدكتور عبد العظيم نور الدين ، وطيبة أطال الله في عمرها في طاعة المولى ، بعد رحيل إخوانهم خوجلي وميمونة ، رحمهم الله .
وفي ختام تلك الليلة المباركة ، نتقدم بخالص الشكر وعظيم الامتنان لكل من شرّفها بالحضور ، ولكل من أسهم بجهده ووقته وماله في إنجاح هذه المناسبة ، ولكل من شارك في حمل أمانتها وإخراجها بالصورة التي تليق بمقام المولد النبوي الشريف وباسم الأسرة وتاريخها التليد .
ونخص بالذكر أبناء الخليفة الراحل ، الخليفة عبد العزيز «عوض الشايب» والدكتور عبد العظيم نور الدين ، أبناء الفقيدة اختنا بنت عمتنا فاطمة محمد أحمد الفيل «شكيمة» رحمها الله ، وأبناء وبنات الإخوة والأخوات ، ومن بينهم ، سيف الدين عبد السلام بابكر «أبو حديد» ، عبد المنعم محمد نور البصري ، خالد صباحي عبد الرحيم ، ياسر نمر ، ربيع عبد اللطيف «عبده محمد نور» ، وابن أختنا الإعلامية الأستاذة فائقة فضل الكروشابي ، وكل من كان له سهمٌ في هذه المناسبة المباركة ، قريبًا كان أو بعيدًا .
كما نسجل بأحرفٍ من عرفان أسمى عبارات الثناء والتقدير لنساء الأسرة الكريمات ، من أمهات وأخوات وبنات ، اللائي عملن خلف الكواليس و بذلن من الجهد والعطاء ما لا تراه الأعين ، وأدّين رسالتهن في صمتٍ ونبل ، فأعددن الضيافة ، وأكرمن الجمع الكريم واحتفين بالضيوف ، حتى خرجت المناسبة في أبهى صورة ، بما يليق بتاريخ الأسرة وإرثها الأصيل في الكرم وحسن الوفادة ،
ثم انقضت الليلة وقد حملت القلوب من الذكرى ما حملت ، وارتفعت الأكف بالدعاء ، وتعلقت الأرواح برحمة الله الواسعة ، داعيةً :
اللهم ارحم جدنا الخليفة نور الدين الحسن «الشايب»، وارحم خوجلي الشايب ، وميمونة ، ووالدتهم شكيمة ، وبنت المنى ، وعبده محمد نور البصري ، وستنا بابكر ، وجدتنا الكبرى فطومة خوجلي عمر ، وكل من رحل من هذه الأسرة الكريمة .
اللهم اغفر لهم وارحمهم ، وارفع درجاتهم ، ونوّر قبورهم ، واجعلها روضةً من رياض الجنة ، واجمعنا بهم في مستقر رحمتك .
اللهم ردّ الابن المفقود متوكل خوجلي إلى والدته وأسرته سالمًا غانمًا ، واحفظه بعنايتك ورعايتك ، واجمع شمل الأسرة به في القريب العاجل.
اللهم احفظ أحياءنا ، وبارك في أعمارهم وأعمالهم ، وأدم بينهم المحبة والمودة وصلة الرحم ، واجعل ديارهم عامرةً بالإيمان ، وقلوبهم عامرةً بالسكينة . واجمعهم دائمًا على الخير والبر والتقوى .
وهكذا انفضّ جمعُ تلك الليلة المباركة وبقيت في القلوب أصداؤها ، وفي الذاكرة عبيرها ، وفي النفوس أثرها ، ليلةٌ لم يكن فيها الاحتفاء بالمولد النبوي طقسٍ سنوي فقط ، وإنما كان وفاءً لرجلٍ جعل الذكر سيرةً ، والمحبة منهجًا ، وصلة الرحم عهدًا ، وجمع الناس على الخير ميراثًا .
رحم الله الخليفة نور الدين الحسن نور الدين «الشايب» رحمةً واسعة ، وجزى أبناءه وأحفاده وأهله خير الجزاء على حفظ سيرته وإبقاء راية الخير التي حملها مرفوعةً من بعده.
ونسأل الله أن يديم على هذه الأسرة الكريمة نعمة الاجتماع والمحبة ، وأن يرد غائبها ، ويرحم راحلها ، ويحفظ حيّها ، وأن يعيد هذه المناسبات المباركة على الجميع وهم في أتم الصحة والعافية والأمن والطمأنينة .
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين .
بيان مهم للوطني: إطلاق سراح البشير ورفع الإقامة الجبرية عن قيادات عسكرية
أصدر حزب المؤتمر الوطني بيان مهم وطالب فيه السماح للمشير البشير بتلقي العلاج بالخارج وفك …





