‫الرئيسية‬ مقالات لماذ يجب أن يعود الناقل الوطني عاجلا ؟ سودانير كيف تتحول الي فرصة استثمارية ناجحة !
مقالات - ‫‫‫‏‫46 دقيقة مضت‬

لماذ يجب أن يعود الناقل الوطني عاجلا ؟ سودانير كيف تتحول الي فرصة استثمارية ناجحة !

السفير/ رشاد فراج الطيب

حين يُطرح الحديث عن إعادة تشغيل شركة الخطوط الجوية السودانية “سودانير” غالباً ما يُنظر إليها من زاوية الخسائر والتعثر وتراكم المشكلات ، وكأن السؤال هو : كيف ننقذ شركة خاسرة ؟ لكن السؤال الأكثر موضوعية وربما الأكثر أهمية هو : هل سودانير شركة خاسرة بطبيعتها لأسباب مقبولة ، أم أنها فرصة استثمارية وطنية أهملت طويلاً وتسبب سوء إدارتها في تحويلها إلى شركة رابحة ؟

 

إن الإجابة عن هذا السؤال تستحق مراجعة جادة ، بعيداً عن الحنين إلى الماضي ، وبعيداً أيضاً عن النظرة التشاؤمية التي تختزل الشركة في سجل خسائرها .

فسودانير كانت واحدة من أعرق شركات الطيران في المنطقة ، وامتلكت تاريخاً مهنياً واقتصادياً وإنسانياً وسيادياً مشرفاً ، وكانت تحمل اسم السودان إلى عواصم العالم .

وكان شعارها الجميل الفريد ، بما يمثله من نسر يحلق في السماء ، علامة وطنية تجوب الآفاق وتختصر حضور السودان في فضاء الطيران الاقليمي والدولي .

 

واليوم ، وبينما غابت سودانير أو تراجع حضورها ، لم تختفِ الحاجة إلى خدمات النقل الجوي ، بل يحدث العكس تماماً .

فقد دخلت شركات وطنية وأجنبية لسد الفراغ في سوق الطيران ، وأصبحت حركة السفر من السودان وإليه تعتمد بدرجة كبيرة على ناقلات أخرى تبيع خدماتها بأسعار مرتفعة واحتكارية ، مستفيدة من غياب ناقل وطني قادر على المنافسة .

وهذا يعني ببساطة أن السوق موجودة ، والطلب موجود ، والإنفاق موجود ، ولكن العائد الاقتصادي يذهب إلى شركات أخرى بدلاً من أن يرفد خزينة الدولة مباشرة .

 

وتزداد أهمية هذه المسألة ويتسع سوق الطيران مع انتهاء الحرب وبدء عودة آلاف السودانيين إلى وطنهم ، سواء من دول الجوار أو من دول الخليج وأوروبا وغيرها .

وستنشأ ، مع استقرار الأوضاع ، حركة متزايدة للركاب والبضائع ، فضلاً عن حركة رجال الأعمال والمستثمرين والمنظمات الدولية والبعثات والسياحة والحج والعمرة ، وهذه ليست مجرد حاجة خدمية ، وإنما سوق استثمارية متنامية ينبغي للسودان أن يستعد لها منذ الآن .

 

ولا ينبغي النظر إلى إعادة تأهيل سودانير باعتبارها مشروعاً منفرداً لإحياء شركة طيران ، بل باعتبارها جزءاً من إعادة بناء منظومة النقل الجوي والمطارات والخدمات اللوجستية في السودان بأفق جديد .

 

فالسودان يمتلك مساحة جغرافية وفضاءات واسعة ، وموارد طبيعية وبشرية ضخمة ، وموقعاً جيوستراتيجياً يربط أفريقيا بالعالم العربي وآسيا وأوروبا ، كما يمتلك مجالاً جوياً واسعاً يمكن تطوير الاستفادة الاقتصادية منه عبر خدمات عبور الأجواء والملاحة الجوية والخدمات اللوجستية .

 

ومن هنا ، فإن المطلوب ليس إعادة سودانير إلى الماضي ، وإنما بناء سودانير جديدة بعقلية اقتصادية مختلفة ومواكبة لصناعة الطيران في العالم .

 

والخطوة الأولى هي إجراء تقييم مالي وفني وقانوني مستقل وشامل لأصول الشركة والتزاماتها وحقوقها ، وتحديد ما يمكن استعادته أو إعادة هيكلته ، ثم فصل الماضي عن المستقبل من خلال معالجة الديون والالتزامات القديمة بصورة واضحة وحاسمة.

وبعد ذلك تُعاد هيكلة الشركة كشركة تجارية احترافية ذات حوكمة مستقلة ، يقودها متخصصون في الطيران والاستثمار والاقتصاد والادارة ، وليس التعيينات السياسية والمحاصصات والترضيات !

 

والخطوة الثانية هي اعتماد نموذج تشغيل تدريجي لا يحتاج إلى أسطول ضخم منذ البداية .

يمكن البدء بعدد محدود من الطائرات المناسبة لطبيعة السوق السوداني وحاجة الخطوط ، مع التركيز على الخطوط الأكثر ربحية وحيوية ، ثم التوسع وفق مؤشرات الطلب والأداء ، بدلاً من شراء او إيجار أصول تفوق قدرة الشركة على التشغيل .

 

والخطوة الثالثة هي تنويع مصادر الدخل .

فسودانير المستقبلية يجب ألا تعتمد على تذاكر الركاب وحدها ، وإنما على الشحن الجوي ، والخدمات الأرضية ،

والخدمات الفندقية (انشاء سلسلة فنادق تجارية لصالح الشركة ) ، والصيانة ، والتدريب ، والخدمات اللوجستية ، والتعامل مع المطارات وعبور الطائرات ، والسياحة ، والشراكات التجارية .

ويمكن كذلك تطوير مركز إقليمي للنقل والشحن مستفيداً من موقع السودان وموانئه ومجاله الجوي .

 

والخطوة الرابعة هي فتح الباب أمام المستثمرين والشركاء الاستراتيجيين ، مع المحافظة على المصلحة والسيادة الوطنية .

فليس المطلوب أن تتحمل الدولة وحدها كل تكلفة إعادة البناء ، ولا أن تتخلى عن الشركة بالكامل ، وإنما يمكن إنشاء شراكات ذكية تجمع رأس المال والخبرة والتكنولوجيا مع الملكية الوطنية والرقابة الاستراتيجية .

 

كما ينبغي وضع خطة لاستعادة العلامة التجارية لسودانير وتطويرها تسويقياً ، فالاسم نفسه يمثل أصلاً تجارياً وتاريخياً له قيمة ، ويمكن إعادة تقديمه بصورة حديثة تجعل ” النسر السوداني ” رمزاً جديداً للانطلاق والثقة والجودة .

 

إن سودانير الناجحة يمكن أن تكون أكثر من ناقل للركاب ؛ يمكن أن تصبح مورداً مهماً للعملات الأجنبية ، وتساهم في إبقاء جزء من عائدات السفر والشحن داخل السودان ، وتدعم استقرار الاقتصاد الوطني .

كما أن تطوير قطاع الطيران والمطارات يمكن أن يخلق عشرات فرص العمل المباشرة وغير المباشرة للسودانيين .

 

ولذلك فإن المطلوب اليوم ليس السؤال : كم خسرت سودانير ؟ وإنما السؤال الأهم : كم خسر السودان من الفرص الضائعة التي كان يمكن أن تحققها سودانير ؟

 

إن إعادة تشغيل الناقل الوطني ليست مشروعاً عاطفياً لإحياء اسم أو شعار من الماضي ، وإنما يمكن أن تكون مشروعاً استثمارياً وطنياً قابلاً للربح ، إذا انتقلنا من عقلية الندرة والخسارة إلى عقلية الاستثمار والوفرة والإبداع وخلق الشراكات ، ومن إدارة الأزمة إلى صناعة الفرصة .

فربما لم تكن سودانير شركة خاسرة بطبيعتها ، وإنما كانت فرصة استثمارية وطنية مضيعة ومهملة !

 

وإذا كان السودان مقبلاً على مرحلة إعادة البناء والإعمار ، فإن إعادة إطلاق نسر سودانير في سماء العالم يمكن أن تكون واحدة من العلامات المبكرة على أن السودان يستعيد عافيته ، ومؤسساته ، وثقته في المستقبل بعزم أكيد وارادة ناجزة .

‫شاهد أيضًا‬

شركة اليانس تكشف التفاصيل الكاملة بشأن مديونية المجتمع المحلي

كشفت شركة اليانس للتعدين المحدودة التفاصيل الكاملة حول ما أثير في بعض الوسائط بشأن مديونية…