‫الرئيسية‬ تقارير ​مرتبات المعلمين.. مأساة تتجدد وتجاهل حكومي يتمدد..!! ​أجور المعلمين عجزت تماماً عن مواكبة أبسط متطلبات المعيشة ​الزيادات المقترحة رغم ضخامتها الظاهرية تقف قاصرة أمام غلاء الأسعار تقرير: رمضان محجوب
تقارير - ‫‫‫‏‫8 ساعات مضت‬

​مرتبات المعلمين.. مأساة تتجدد وتجاهل حكومي يتمدد..!! ​أجور المعلمين عجزت تماماً عن مواكبة أبسط متطلبات المعيشة ​الزيادات المقترحة رغم ضخامتها الظاهرية تقف قاصرة أمام غلاء الأسعار تقرير: رمضان محجوب

​في أعقاب القرار الذي أصدره رئيس الوزراء بروفيسور كامل إدريس القاضي بإجراء معالجات فورية لصفوف الأجور، يقف المعلمون بين أمل الزيادات المرتقبة ومرارة الواقع المعيشي الذي عصف بقوت أسرهم اليومي. فرغم الأرقام الجديدة المعلنة، تظل الهوة شاسعة أمام لهيب الأسعار وغلاء المعيشة الفاحش بعد سنوات الحرب العجاف. وهنا يبرز التساؤل المصيري حول مدى استجابة وزارة المالية وانصياعها لتنفيذ التوجيهات الرسمية على أرض الواقع، أم أن حبل المماطلة سيبقى ممدوداً ليدفع قطاع التعليم بأسره نحو شلل تام ومنعطف خطير ينذر بتصعيد لا مفر منه لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

​▪️ قرار رئيس الوزراء

​يأتي صدى الأزمة الراهنة في قطاع التعليم على وقع توجيهات وقرارات صادرة عن رئيس مجلس الوزراء بروفيسور كامل إدريس تقضي بالإسراع في معالجة وصرف المستحقات المالية وإزالة المفارقات الوظيفية للمعلمين. غير أن المتابع للمشهد يلحظ بوضوح فجوة عميقة بين النصوص السيادية المكتوبة على الطاولات الرسمية وبين بطء الإجراءات التنفيذية على الأرض، الأمر الذي يبقى القرارات معلقة في مهب التجاذبات الإدارية والمالية، وبيروقراطية الحكومة السلحفائية، مما أفقد المعلمين جزءاً كبيراً من ثقتهم في المواعيد الحكومية المتكررة.

​▪️ واقع المعلمين المتردي

​يعيش المعلم السوداني اليوم واقعاً إنسانيا ومعيشياً بالغ التعقيد، حيث تتصادم المسؤولية التربوية العظيمة الملقاة على عاتقه مع قسوة الاحتياجات اليومية الأساسية. ولا يقتصر هذا الواقع المأساوي على تراجع المظهر الوظيفي، بل امتد ليمس استقرار الأسر وقدرتها على توفير الغذاء والدواء، محولاً رحلة التعليم اليومية من رسالة مقدسة إلى صراع دائم من أجل البقاء في ظل ظروف محيطة خانقة.

​▪️ المرتبات قبل التعديل

​عند فحص جدول الهيكل الراتبي قبل التعديل، تتكشف بجلاء قسوة الأرقام الأساسية التي تتدرج تصاعدياً من مدخل الخدمة للمعلم حسب الهيكل الراتبي لديوان شؤون الخدمة (الدرجة التاسعة) عند 73,000 جنيه، مروراً بالدرجة الثامنة (80,000 جنيه) والسابعة (95,000 جنيه) والسادسة (96,000 جنيه)، وصولاً إلى قمة السلم الوظيفي في الدرجة الأولى عند 221,000 جنيه. وهذه القيمة الراتبية الجامدة أثبتت عجزها التام عن مواكبة أبسط متطلبات المعيشة، إذ تتحطم أمامها قدرة المعلم على تلبية احتياجات أسرته، مما جعل هذه الأجور مجرد أرقام ورقية تتبخر في الأيام الأولى من الشهر.

​▪️ الزيادات ومقترحات التعديل

​​في المقابل، تطرح مقترحات الزيادة الأخيرة وهياكل تعديل الأجور وتخفيف المفارقات أرقاماً جديدة تتوزع تفاصيلها بوضوح على الدرجات الوظيفية؛ حيث يصل إجمالي المرتب المقترح للدرجة الأولى إلى 501,000 جنيه (عبر زيادة بنحو 280,000 جنيه على الأساسي السابق)، والدرجة الثانية إلى 452,000 جنيه، والدرجة الثالثة إلى 430,000 جنيه (بزيادة 275,000 جنيه)، والدرجة الرابعة إلى 401,000 جنيه، بينما يرتفع مرتب الدرجة الخامسة إلى 363,000 جنيه، والدرجة السابعة إلى 355,000 جنيه، والدرجة الثامنة إلى 335,000 جنيه، وصولاً إلى مدخل الخدمة في الدرجة التاسعة ليبلغ إجمالي المرتب المقترح 323,000 جنيه بزيادة تقدّر بنحو 250,000 جنيه. ورغم هذه الأرقام التي تبدو ظاهرياً تصاعدية، إلا أن المدقق والمراقب يرى أنها تظل محاصرة بفجوة هائلة وعاجزة عن مجاراة تكلفة المعيشة الفعلية التي تتخطى ملايين الجنيهات، لتصطدم دائماً بتعنت وزارة المالية ومماطلتها في الإنفاذ الفعلي.

​▪️ تداعيات ما بعد الحرب

​ضاعفت سنوات الحرب وتداعياتها الاقتصادية القاسية من تعقيد المشهد، إذ امتدت المتأخرات والرواتب المحتجزة في بعض الولايات والقطاعات لأشهر طويلة وصلت إلى 14 شهراً. ووجد المعلمون أنفسهم محاصرين بين نيران النزوح والتشرد وغلاء المعيشة الفاحش وتوقف انتظام الصرف، مما أدى إلى هجرة واسعة للكوادر التعليمية نحو مهن بديلة بحثاً عن لقمة العيش، وتسبب في شبه شلل تام بالبنية التحتية والمؤسسية للتعليم الحكومي.

​▪️ أزمة سداد الالتزامات

​في حديثه لـ “العودة”، يقول المعلم عثمان أحمد (الدرجة الخامسة) إن حساب الراتب لديه لا تبدأ قصته أبداً بيوم استلامه، بل تبدأ دائماً بالسؤال المؤلم عما يمكن تأجيله من التزامات أساسية حتى نهاية الشهر. وأوضح أن الأجور الحالية متآكلة تماماً وعجزة تماماً عن مجاراة الارتفاع الجنوني للأسعار والمواصلات ومتطلبات الأبناء، مما يجعل المعلم يعيش تحت ضغط نفسي ومالي مستمر لا ينقطع. وأضاف بحرقة أن عجزه عن تلبية أبسط احتياجات أسرته بات يشكل عبئاً ثقيلاً يهدد استقرار حياته اليومية، مؤكداً أن الاستمرار في هذه الظروف القاسية أصبح خياراً شبه مستحيل لمن يدير عجلة التعليم.

​▪️ تقادم سنين الخدمة

​بينما يشير المعلم المتقاعد عبد الله الماحي في إفادته لـ “العودة” إلى أنه بعد أربعة عقود قضاها معلماً ومربياً للأجيال في المدارس الحكومية، يصل اليوم إلى الدرجات العليا دون أن يجد لجهده تقديراً مادياً يحفظ كرامته الإنسانية والمهنية. وأكد أن راتبه الحالي لا يكفي سوى لأيام معدودات من الشهر، بينما تظل الوعود الحكومية المتكررة بتحسين الأوضاع حبراً على ورق بلا أي أثر واقعي على الأرض. وبيّن أن هذا التجاهل المستمر لتاريخ المعلمين وخبراتهم الطويلة يعكس فهماً خاطئاً لقيمة رسالتهم، مشدداً على أن الواقع المعيشي المتردي بات يدفع الكفاءات التربوية المخضرمة نحو الانهيار الوظيفي والتهميش المعيشي.

​▪️ تردي بيئة المدارس

​في المقابل، يؤكد المعلم محمد الأمين في حديثه لـ “العودة” أن الأمر لم يعد مقصوراً على ضعف الرواتب الفلكي فحسب، بل تمتد المأساة لتشمل بيئة المدارس والمكاتب المفتقرة تماماً لأبسط مقومات التهيئة والتشغيل والراحة. وأوضح أن الفصول الخاوية وغياب الوسائل التعليمية الأساسية خلقا مناخاً طارداً، وهو واقع مرير دفع الكثير من الزملاء الكفؤين إلى ترك المهنة نهائياً والبحث عن أعمال هامشية أخرى لإعالة أسرهم بعد أن ضاقت بهم سبل العيش. ولفت إلى أن انهيار البنية التحتية للمؤسسات التعليمية يمثل طعنة نجلاء في قلب مستقبل التعليم الحكومي الذي كان يوماً فخراً لكل أبناء الوطن المخلصين.

​▪️ تراكم المتأخرات المالية

​وتلفت المعلمة طاهرة إبراهيم خلال حديثها لـ “العودة” إلى أن المعلمين ينتظرون منذ أشهر طويلة تنفيذ قرارات إزالة المفارقات وصرف بدل السكن واستحقاقاتهم المالية المتراكمة دون جدوى تُذكر. وأشارت إلى أن الجهات الرسمية ما زالت تصرف المرتبات وفق التعريفة القديمة المتدنية وتتجاهل تماماً منشورات ديوان شؤون الخدمة واللوائح المعتمدة، الأمر الذي جعل المعلمين على حافة العجز التام عن سداد إيجارات المنازل وفواتير العلاج. وأضافت بحسرة أن استمرار مماطلة وزارة المالية السابقة في صرف الحقوق المكتسبة يعكس استخفافاً غير مبرر بمعاناة شريحة واسعة تحمل على عاتقها أمانة بناء عقول الأجيال القادمة في أشد الظروف.

​▪️ انهيار الاستقرار التعليمي

​بدوره، حذر المعلم النور الفاتح في حديثه لـ “العودة” من أن استمرار هذه الأزمة الاقتصادية الخانقة وتجاهل المطالب العادلة للمعلمين يهددان بتفريغ المدارس كلياً من الكوادر المؤهلة وإصابة العام الدراسي بشلل تام. وأوضح أن المعلمين يحرصون أشد الحرص على أداء رسالتهم النبيلة والحفاظ على مستقبل الطلاب، لكن الأوضاع المعيشية القاسية وتآكل القوة الشرائية للرواتب باتت تضعهم أمام قسوة الخيارات الحتمية للعيش الكريم. واختتم بالتأكيد على أن لجوء النقابات للخطوات التصعيدية السلمية لم يأتِ من فراغ، بل هو صرخة استغاثة أخيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من منظومة التعليم برمتها قبل فوات الأوان.

​

​▪️ مدى التزام وزارة المالية

​يبقى السؤال المحوري معلقاً حول قدرة هذه الزيادات على الوفاء بالغرض ومدى التزام وزارة المالية بتنفيذ قرارات مجلس الوزراء؛ فالتجارب السابقة تؤكد تفنن الوزارة في اختلاق المبررات المالية وتجميد المنشورات تحت ذريعة شح الموارد. إن الهوة بين تكلفة المعيشة الفعلية للأسرة وبين ما يُصرف فعلياً تؤكد أن وزارة المالية إن لم تُجبر على إنفاذ الجداول الجديدة بآليات شفافة وصارمة، فإن العام الدراسي ومستقبل الأجيال سيظلان رهينة لحلقة مفرغة من الوعود المؤجلة والاحتجاجات المحتومة.

‫شاهد أيضًا‬

في احتفال المقر بعيده الثالث مناوي: لا نريد دولة مليشيات والسودان ماضي نحو جيش وشرطة وأمن مركز المقرن يعلن فتح أبوابه للإعلاميين على مدار 24 ساعة د.عمار زكريا: المركز هدية لصحفيي معركة الكرامة ومنبر مفتوح لقضايا الوطن قيادات عسكرية وسياسية تشيد بدور الإعلام الوطني محجوب أبوالقاسم 

أكد حاكم إقليم دارفور،ط مني أركو مناوي أهمية دعم المؤسسات والمراكز المعنية بتطوير العمل ال…