‫الرئيسية‬ مقالات ماذا يُطبَخُ في البيتِ الأمريكيِّ ضدَّ السودانِ؟
مقالات - ‫‫‫‏‫5 دقائق مضت‬

ماذا يُطبَخُ في البيتِ الأمريكيِّ ضدَّ السودانِ؟

نقطةإرتكاز  د.جادالله فضل المولي 

إن المتابع الحصيف لما يجري في دهاليز السياسة الدولية يدرك أن ما يحدث في السودان اليوم ليس وليد صدفة ولا نتاج صراع داخلي محض كما يروج له البعض، وإنما هو نتاج طبخة معقدة تعد على نار هادئة في مطابخ البيت الأمريكي، وتقدم بأيدي وكلاء إقليميين، وتسوق بشعارات براقة من حقوق الإنسان والديمقراطية والتحول المدني، وما هي إلا أقنعة تخفي خلفها وجه المصالح الحقيقي.

 

فالسودان في عين الإدارة الأمريكية ليس دولة عادية في خارطة العالم، بل هو كنز استراتيجي جاثم على كنوز من الذهب واليورانيوم والنفط والأراضي الزراعية الشاسعة التي يمكن أن تطعم العالم العربي كله، وهو يطل على البحر الأحمر، ذلك الممر المائي الذي تمر عبره تجارة العالم، ومن يسيطر عليه يسيطر على أنفاس الاقتصاد العالمي، ولذلك لم يكن غريباً أن يكون السودان حاضراً في كل أجندة أمريكية، وفي كل خطة لإعادة رسم خريطة المنطقة.

 

وما يطبخ اليوم في البيت الأمريكي ضد السودان ليس جديداً، بل هو امتداد لسياسة قديمة بدأت بالعقوبات الاقتصادية التي أرهقت الشعب السوداني لعقود، ثم بالضغوط السياسية التي فصلت جنوبه عن شماله، وهي اليوم تطبخ من جديد ولكن بثوب جديد، فبدلاً من التدخل المباشر الذي كلف واشنطن كثيراً في العراق وأفغانستان، أصبحت الإدارة الأمريكية تفضل سياسة الفوضى الخلاقة، تترك السودانيين يتقاتلون، وتغذي طرفاً يلبي رغباتها ويحقق لها غاياتها وتطيل أمد الحرب حتي تصل الي ماتخطط له ، ثم تأتي بعد ذلك كوسيط نزيه لتملي شروطها وتفرض رؤيتها للدولة السودانية القادمة.

 

إن واشنطن لا تريد للسودان أن يكون دولة قوية موحدة ذات جيش قوي ومؤسسات راسخة، لأن الدولة القوية تعني قراراً وطنياً مستقلاً يرفض الإملاءات، وما تريده أمريكا هو سودان ضعيف ممزق تحكمه كيانات هشة تدين بالولاء للخارج أكثر من الداخل، سودان كانتونات يمكن ابتزاز كل كانتون على حدة، وتقسيم ثرواته بين الشركات العابرة للقارات، وهذا ما يفسر حالة اللامبالاة الأمريكية تجاه معاناة الشعب السوداني، فالبيانات تدين والمواقف تشجب ولكن الأفعال على الأرض تطيل أمد الحرب ولا توقفها.

 

وما يطبخ في البيت الأمريكي اليوم هو مشروع لإعادة هندسة السودان سياسياًوجغرافياً، مشروع يبدأ بفرض هدنة هشة لا تصمد، ثم بمفاوضات عبثية لا تنتهي، ثم بمبادرة دولية تفرض حكومة مدنية ضعيفة بلا سند شعبي ولا قوة عسكرية، حكومة مهمتها الوحيدة هي التوقيع على اتفاقيات اقتصادية مجحفة تمنح الشركات الأمريكية حق استغلال الذهب والمعادن النادرة، وتمنح القواعد العسكرية حق التمركز على البحر الأحمر تحت ذريعة حفظ السلام.

 

إن الخطر الحقيقي الذي يتهدد السودان ليس في البندقية التي تطلق الرصاص في المدن ، بل في القلم الذي يكتب مستقبل السودان في واشنطن، وفي الخريطة التي ترسم حدود السودان الجديد في غرف مغلقة لا يدخلها سوداني واحد، فما يطبخ هناك لا علاقة له بمصلحة الشعب السوداني، بل هو طبخة مسمومة تقدم بابتسامة صفراء وشعار إنساني، وهدفها النهائي هو أن يبقى السودان سوقاً للسلاح ومسرحاًللصراعات ومصدراً للمواد الخام الرخيصة.

 

ولذلك فإن الوعي بهذه الطبخة هو نصف المعركة، فإن لم يدرك السودانيون أن خلافاتهم الداخلية تستغل لتدمير وطنهم، وأن دماءهم تسفك لتسهيل مهمة الطباخ الأمريكي،فإنهم سيستيقظون يوماً وقد وجدوا وطنهم قد قسم على موائد اللئام، وما من سبيل للنجاة من هذه الطبخة إلا بوحدة الصف الداخلي، وبقرار وطني يرفض أن يكون السودان لقمة سائغة في فم أمريكا، فالشعوب التي تحترم نفسها لا تأكل مما يطبخ لها في مطابخ الآخرين، بل تطبخ مستقبلها بيدها في بيتها.

meehad74@gmail.com

‫شاهد أيضًا‬

الجالية السودانية في تركيا تطالب بتجميد وإلغاء قرار أمين المغتربين

طالب الناطق الرسمي باسم الجالية في تركيا ناجي الكرشابي، بتجميد وإلغاء قرار أمين عام جهاز ا…