‫الرئيسية‬ مقالات أظلمت الدنيا
مقالات - ‫‫‫‏‫35 دقيقة مضت‬

أظلمت الدنيا

المسلمي البشير الكباشي 

كيف أنعى ابن عمر محمد أحمد عبد الهادي نابري؟ ومن نعزّي في رحيله إلى الدار الآخرة؟ نعزّي فيه كل قيم الحق والخير والجمال، ونعزّي المروءات، وقد كان جامعها، ومعاني النخوة والنبل والشجاعة، والأصالة والبسالة والرصانة، فقد كان موئلها ومستقرّها. صان نفسه عن الدنايا والصغائر، وحملها على شدائد الحياة، وصبر على غلوائها.

 

كان قائدًا منذ كان. هكذا يحدثنا مجايلوه عن أيامه في المدرسة الوسطى بحمرة الوز ، حين كان يتشرّب الثقافة من منبر الجمعية الأدبية، ويتقدم على أقرانه سعةً ووعيًا. وأخذ نجمه يصعد حتى اكتمل بدرًا في جامعة الخرطوم، حيث غدا أسطورة طلابية، بعدما ارتبط بالحركة الإسلامية، فاتخذ منها قضيةً صاغت مساره حتى أفل نجمه اليوم.

 

اشتهر بأنه الخطيب الأشهر، يهز منابر الجامعة بمزيج من قوة الفكرة، وجهارة الصوت، وناصع العبارة، و دافق الكلام. ودفع ثمن مواقفه تشريدًا وسجونًا في أيام مايو.

 

ارتبط بالأهل في بادية شمال كردفان، وأحدث هناك أهم اختراق سياسي للحركة الإسلامية في تلك الديار، حين حملته الانتخابات نائبًا برلمانيًا عام 1986. فقد نالت الجبهة الإسلامية في المنطقة دائرتين من أربع، في سودري الشرقية ، تقاسمهما مع زميله الشيخ البكري الشيخ الجيلي الكباشي.

 

قلّت المواقع الرسمية التي تولاها في عهد الإنقاذ، ولعل ذلك، في تقديري، لأن ابن عمر لم يكن رجل وظيفة، كما أن الوظيفة لم تكن تليق باتساع دوره. كان أكبر من أن تحصره وظيفة في حدودها؛ فهو صانع دور ذي أثر، ورجل يجد نفسه بين الناس، عامة الناس؛ تأتنس بهم نفسه، وتسعد بقربه نفوسهم.

يلقاك متهلّل المحيّا، بشوش الوجه، ببسمة تسع المدى.

جمعت بينه وبين زعيم الحركة الإسلامية الفكرة، والود العميق. كان يحب الشيخ حسن الترابي، ويجلّ دوره ويقدّره، ويعرف قدره. وحين انفلقت الحركة الإسلامية في ما عُرف بالمفاصلة عام 1999، اتخذ موقعه في مقدمة الذين وقفوا إلى جانب شيخها.

 

وعلى الرغم مما جرى بين طرفي الحركة، ومما صنع الحداد بينهما، ظلت دار ابن عمر الشجرة التي يستظل تحتها الجميع؛ فما كانوا يلتقون إلا فيها. فقد كانت نفسه تألف الوصال وتستوحش الجفاء، جُبلت على بياض الوفاء، فلا تطيق عتمة القطيعة. ولذلك اتسعت للفريقين، وظلت دارُه أوسع من خلافاتهما.

 

كان أقرب الناس إليه شبهًا في الحركة الإسلامية يسن عمر الإمام، الذي يشاركه كثيرًا من هذه المحامد. روى لي أحد الأصدقاء أن مجموعة من الإخوان عكفت على إعداد كتاب عن الشيخ يسن عمر الإمام. ولما عرضوه على الشيخ حسن الترابي، رأى أن الكتاب خلا من روح يسن، فوجههم إلى ابن عمر ليعيد صياغته وتحريره. ففي ابن عمر، كما رأى الشيخ، تكمن روح يسن.

 

لكن ابن عمر لم يستطع إنجاز المهمة؛ فكلما همّ بالكتابة، هاجمته الذكريات وأثقلته الحسرات على فقد يسن، فطوى الصفحات، وانتظر سانحة تهدأ فيها نفسه ويستطيع أن يكتب. ومن أقدار الله ألا تأتي تلك السانحة.

 

ولم أعرف رجلين اجتمعت فيهما حرارة الفكرة، وتوهج المبدأ، ودفء المودة للإخوان، كما اجتمعت في يسن عمر الإمام وابن عمر محمد أحمد.

 

كنت أخشى ألا يُكتب لي لقاء ابن عمر قبل أن يفارق أحدنا الدنيا؛ فقد فرّقت بيننا الحرب. وحين لجأ بعدها إلى القاهرة، أقعدتني مسؤوليتي الصحفية في الخرطوم، لتغطية الحرب لمصلحة قناة الجزيرة، طوال السنوات الثلاث الماضية.

 

ولازمني شعور بقرب رحيل ابن عمر بعد أن التحق صديقه الأحب، سيف الدين محمد أحمد، بالدار الآخرة قبل أشهر قليلة. فهذه أرواح تلاقت على مبدأ، فنسجت بينها خيوط المودة والمحبة بإحكام، حتى غدا الفقد في إحداها نذيرًا موجعًا بفقد من بقي.

 

رحمهم الله جميعًا، ورحم ابن عمر محمد أحمد رحمة واسعة، وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة، وجزاه عن مواقفه ووفائه ومحبته خير الجزاء.

 

إنّا لله وإنّا إليه راجعون.

‫شاهد أيضًا‬

اسرائيل صديقة المليشيا المتمردة 

حديث رئيس الوزراء الاسرائيلي نتنياهو الذي قال فيه وبدون استحياء بأن مليشيا الدعم السريع ال…