‫الرئيسية‬ مقالات الأيدي القذرة.. مأزق الأحزاب السودانية
مقالات - ‫‫‫‏‫7 دقائق مضت‬

الأيدي القذرة.. مأزق الأحزاب السودانية

وجه الحقيقة | د. إبراهيم شقلاوي

السياسة امتحان أخلاقي تتكشف فيه حقيقة الشعارات حين تصطدم بالمصالح. وقد يجد السياسي نفسه أمام خيارات صعبة، يعتقد أن تجاوز بعض المبادئ فيها ضرورة لتحقيق المصلحة العامة. هذه هي معضلة “الأيدي القذرة” التي ناقشها الفيلسوف السياسي الأمريكي مايكل والزر، إذ قد يضطر صاحب القرار إلى ارتكاب فعل يراه ضروريًا، لكنه لا يستطيع الاحتماء بالضرورة للتنصل من مسؤوليته الأخلاقية.

 

فالمصلحة الوطنية ليست تفويضًا مفتوحًا، والغاية النبيلة لا تمنح الوسيلة حصانة، كما أن الاعتراف بصعوبة القرار لا يعفي صاحبه من المساءلة.

 

في بلادنا أصبحت هذه المعضلة مدخلًا لفهم مأزق الأحزاب التي رفعت شعارات الثورة، ثم عجزت عن تحويلها إلى مشروع وطني يتجاوز حسابات السلطة. فمنذ سقوط نظام عمر البشير في أبريل 2019، بدأ أن القوى المدنية اتفقت على إسقاط النظام أكثر مما اتفقت على بناء الدولة.

 

احتشدت خلف الحرية والسلام والعدالة، لكنها أخفقت في تأسيس مؤسسات تضبط خلافاتها، وتضمن استقلال قرارها، وتمنع تحول الشرعية الثورية إلى امتياز سياسي تحتكره نخب بعينها حتي داخل تلك الأحزاب.

 

لم يكن الخلل مجرد ضعف في إدارة التحالفات، بل ظهر أيضًا في طريقة تعريف المشاركة وحدودها، وفي العلاقة الملتبسة بين الحسابات الداخلية والنفوذ الإقليمي والدولي. فقد أثارت تجربة لجنة إزالة التمكين، والجدل حول ضمانات التقاضي وحق الدفاع، ومشروع دستور المحامين، ثم الاتفاق الإطاري، أسئلة مهمة، بشأن قواعد الانتقال ومن يملك حق رسمها.

 

وحين جرى استبعاد القوى السياسية بحجة منع “إغراق العملية السياسية”، بدا أن بعض النخب تتعامل مع التوافق بوصفه حقًا في اختيار الشركاء ورسم مستقبل البلاد لا مسؤولية في بناء قاعدة وطنية جامعة لكل السودان.

 

هنا يتجلى مأزق الأحزاب بوضوح، كيف تدافع عن الديمقراطية وهي تضيق بالمشاركة حين لا توافق حساباتها؟ وكيف ترفع راية استقلال القرار الوطني دون أن تقدم كشفًا واضحًا عن مصادر تأثيره وحدود ارتباطه بالخارج؟ كان ذلك يعني أن ادعاء امتلاك المشروع الوطني ادعاء باطل.

 

فالمعيار هو شفافية القرار، وعدالة القواعد، وقدرة الأحزاب على قبول المنافسة بدلًا من إعادة تعريف الشرعية بما يضمن بقاءها في المشهد.

 

ولم تكن شراكة 2019 بمنأى عن هذا الخلل، إذ افتقرت إلى ضمانات إخضاع مراكز القوة للرقابة الدستورية. ثم جاءت حرب أبريل 2023 لتكشف كلفته، فدفع المواطن ثمنها أمنًا وبيتًا ولقمة عيش. وتتعاظم مسؤولية بعض الأحزاب في ضوء شهادات ووثائق تشير إلى تورطها في دعم انقلاب الدعم السريع ضد مؤسسات الدولة، بما يكشف التناقض بين شعارات الديمقراطية وممارسات تقوّيضها. لأجل السلطة.

 

وفي هذا السياق، يضع قرار مجلس السيادة الانتقالي رقم 363 لسنة 2026 بشأن شطب البلاغات الجنائية في مواجهة المشاركين في الحوار السوداني–السوداني، مفهوم “الأيدي القذرة” أمام اختبار مباشر. قد تكون تهيئة المناخ للحوار ضرورة وطنية، وقد يكون رفع العوائق عن المشاركة خطوة مطلوبة، لكن من يحدد حدود الاستثناء ،وهل تُعالج البلاغات وفق معايير قانونية ،أم وفق هوية المستفيد وموقعه في موازين القوى الجديد؟

 

إن شطب البلاغات لا ينبغي أن يتحول إلى تسوية للحسابات السياسية على حساب العدالة. فهناك فرق بين حماية النشاط السياسي من الملاحقة، وبين تعطيل المساءلة أو إهدار حقوق الضحايا. ومشروعية القرار تتوقف على أساسه القانوني، و تطبيقه والتمييز بين البلاغات التي تعوق المشاركة والجرائم التي تستوجب المحاسبة. لذلك لا يكفي أن تُرفع راية الحوار حتى يصبح كل إجراء مشروعًا، فالدولة التي تحمي الحوار بتعطيل العدالة قد تكسب مقاعد حول الطاولة، لكنها تخسر الثقة خارجها.

 

والحوار السوداني، لن يكتسب قيمته من عدد القوى المشاركة، ولا من قدرة اللجنة علي جمع الفرقاء، بل من استعداد المشاركين لمراجعة التجربة التي أوصلت البلاد إلى الحرب. المطلوب عقد سياسي يضع السلاح تحت سلطة الدولة، ويضمن الحقوق والمشاركة والتداول السلمي للسلطة، ويمنح الشباب والنساء والنازحين واللاجئين، مكانًا حقيقيًا في صناعة المستقبل. وما عدا ذلك لا أراه أكثر من إعادة ترتيب تحت عنوان مخزي جديد.

 

بحسب #وجه_الحقيقة، فإن مأزق الأحزاب السودانية ليس أنها اضطرت إلى خيارات صعبة، بل أنها لم تنجح في وضع حدود واضحة بين الضرورة والمصلحة، وبين التسوية والتفريط، وبين الشرعية واحتكار القرار. ومن يطالب الآخرين باحترام القانون عليه أن يقبل بقيوده حين يكون هو المستفيد من تجاوزها. فلا يجوز أن تصبح الثورة صك ملكية للأحزاب، ولا الحرب مبررًا لتعليق العدالة، ولا الحوار وسيلة للنجاة من المساءلة. السودان لا يحتاج إلى أيدٍ تبرر قذارتها باسم الوطن، بل إلى قوى سياسية تدرك أن بناء الدولة يبدأ حين تتوقف عن وضع مصالحها فوق القانون، ليصبح الوطن أكبر من أحزابِه، والعدالة أقوى من تسوياتها.

 

دمتم بخير وعافية

الثلاثاء 20 أكتوبر 2026م. Shglawi55@gmail.com

#الأيدي_القذرة #الأحزاب_السودانية #الحوار_السوداني #العدالة_والمساءلة #الشرعية_السياسية #استقلال_القرار_الوطني #بناء_الدولة #الانتقال_الديمقراطي #السلام_في_السودان #السودان

‫شاهد أيضًا‬

نفحات من سيرة و مسيرة الشهيد الأخ العقيد شرطة ( الشيخ ) بابكر يس محمد علي

*▪️بِسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحيم* *▪️يقول تعالى { إِن يَمسَسكُم قَرحٌ فَقَد مَسَّ القَو…