«آلية مكافحة الصحفيين»!
رحمة عبدالمنعم

صدر رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس أمس الإثنين، قراراً بتشكيل الآلية الوطنية لمكافحة جرائم المعلوماتية، برئاسة مساعد النائب العام وعضوية ممثلين عن الجهات ذات الصلة، وتختص الآلية بمكافحة جرائم المعلوماتية والنشر الضار والمخل بأمن الدولة والمجتمع، ورصد ومتابعة المحتوى المنشور عبر الوسائط الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي.
ومنح القرار الآلية صلاحيات اتخاذ الإجراءات الوقائية والقانونية اللازمة، وقيد الدعاوى القضائية نيابة عن الدولة في القضايا المتعلقة بما يهدد أمن المجتمع والأمن الوطني.
للوهلة الأولى يبدو القرار من حيث عنوانه واختصاصاته المعلنة، استجابة لحاجة حقيقية في ظل الفوضى التي تضرب الفضاء الإلكتروني، وما تشهده منصات التواصل الاجتماعي من انفلات وتجاوزات تستوجب المساءلة القانونية. غير أن القراءة المتأنية لمضمونه تثير أسئلة حول الأهداف الحقيقية لهذه الآلية وحدود اختصاصاتها، خصوصاً أن القرار استخدم عبارات فضفاضة تحتمل تفسيرات واسعة، وفي مقدمتها عبارة «النشر الضار»، التي قد تتحول إلى مدخل لملاحقة الصحفيين وأصحاب الرأي تحت لافتة حماية أمن الدولة والمجتمع.
ولعل السؤال الذي يفرض نفسه هنا، ما المقصود تحديداً بالنشر الضار؟ ومن يملك سلطة تحديد الضرر؟ وما المعايير القانونية التي ستعتمد عليها الآلية للتمييز بين النقد الصحفي المشروع والمحتوى الذي يشكل جريمة تستوجب الملاحقة؟
وهل أُنشئت هذه الآلية لوضع حد لغثاء الأسافير وتفاهات بعض «اللايفاتية» الذين حولوا منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات للإسفاف والشتائم والتشهير وانتهاك خصوصيات الناس، ومكافحة جرائم النصب والاحتيال الإلكتروني والابتزاز والتهديد والتحريض على العنف؟ أم أن وراء هذه العبارات المطاطة أهدافاً أخرى تتعلق بإسكات الأصوات الصحفية التي تكشف أوجه القصور وتنتقد أداء حكومة الدكتور كامل إدريس؟
هذه التساؤلات لا تنطلق من فراغ، وإنما تكتسب مشروعيتها من واقع العلاقة المتوترة بين الحكومة وعدد من الصحفيين الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة بلاغات وإجراءات قانونية بسبب انتقاداتهم لأداء السلطة التنفيذية،وقد بلغ الأمر أن أعلن أستاذنا عبدالماجد عبدالحميد، قبل أيام، تقدمه بشكوى إلى وزير العدل بشأن ما وصفه بالتعسف والملاحقة القانونية للصحفيين على خلفية مقالات تنتقد أداء الحكومة، وهي واقعة تعكس حجم القلق المتصاعد في الوسط الصحفي من توظيف قانون جرائم المعلوماتية في مواجهة الأقلام الناقدة.
والمؤسف أن رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس وبعض المسؤولين في حكومته يضيقون ذرعاً بالنقد، وسرعان ما تتحول الملاحظات الصحفية بشأن ضعف الأداء والقرارات المرتبكة إلى معارك وبلاغات، وكأن مهمة الصحفي أن يصفق للحكومة ويغض الطرف عن إخفاقاتها، وأن يتعامل مع الوزراء والمسؤولين باعتبارهم فوق النقد والمساءلة، وهنا تحضرني عبارة أستاذنا عادل الباز حين شبّه حكومة كامل إدريس بـ«حيطة زبالة» مائلة ومتداعية، في توصيف ساخر يختصر حالة الغضب من حكومة يبدو انشغال بعض مسؤوليها بالرد على منتقديها أكثر وضوحاً من اهتمامهم بمعالجة أزمات المواطن اليومية.
ومنذ اندلاع الحرب وجد الصحفيون السودانيون أنفسهم في ظروف بالغة التعقيد، يواجهون مخاطر العمل المهني وضغوط المعيشة والتشريد والملاحقات القانونية، دون أن يجدوا مظلة نقابية فاعلة تتصدى لقضاياهم وتدافع عن حقوقهم، أما الاتحاد العام للصحفيين السودانيين، فيبدو غارقاً في الورش والتصورات والاجتماعات، بينما ينتظر أهل المهنة موقفاً عملياً يحميهم من التغول على حقوقهم ويضع حداً لاستخدام قانون جرائم المعلوماتية في ملاحقتهم بسبب النشر الصحفي.
وظل الاتحاد يحدث القاعدة الصحفية عن مساعيه مع وزارة الإعلام لتعديل قانون الصحافة والمطبوعات وعودة نيابة الصحافة المختصة بالنظر في قضايا النشر الصحفي، وهي قضية ظلت معلقة دون نتائج ملموسة يشعر بها الصحفيون، واليوم مع تشكيل هذه الآلية الجديدة، تتضاعف مسؤولية الاتحاد، ويصبح صمته تجاه الغموض المحيط باختصاصاتها تقصيراً لا يمكن تبريره بالمزيد من الورش والاجتماعات والبيانات الإنشائية.
إن الصحفي الذي يتحرى الدقة ويستند إلى المعلومات والمستندات ويكشف أوجه الفساد والخلل ويمارس حقه المشروع في النقد يؤدي واجباً مهنياً ووطنياً يستحق الحماية، فالصحافة ليست نشاطاً عشوائياً للبحث عن «الترند» وجمع «اللايكات»، وإنما مهنة تحكمها قواعد أخلاقية وضوابط مهنية، ومن يخرج عن هذه الضوابط أو يرتكب مخالفة ينبغي أن يُساءل في إطار ضمانات قانونية واضحة تكفل له حق الدفاع والمحاكمة العادلة.
والأصل أن تُعالَج مخالفات النشر الصحفي بموجب قانون الصحافة والتشريعات المنظمة للمهنة، مع احترام الضمانات القانونية، لا بموجب قانون جرائم المعلوماتية، الذي أصبح سيفاً مسلطاً على رقاب الصحفيين، وهو ما يستوجب موقفاً حاسماً من المؤسسات المعنية بحرية الصحافة.
وبدلاً من استنزاف الجهد في مواجهة النقد وملاحقة الأقلام، كان الأجدر بحكومة الدكتور كامل إدريس، وهي مولعة بتشكيل اللجان والآليات، أن توجه اهتمامها إلى الأزمات التي تطحن المواطن السوداني، وأن تشكل آليات فاعلة لملاحقة المضاربين بالعملة والمتلاعبين بأسعار الصرف، ومواجهة الفوضى الاقتصادية التي أنهكت الناس وأضعفت قيمة العملة الوطنية ورفعت تكاليف المعيشة إلى مستويات لا تُحتمل.
فالمواطن الذي أنهكته الحرب وأثقلته أسعار الخبز والوقود وتكاليف الخدمات لا ينتظر مزيداً من اللجان التي تنبثق عنها لجان أخرى، واجتماعات تعقبها اجتماعات، وقرارات تتزاحم على الورق دون أن يجد لها أثراً في حياته، إنه يريد حكومة تعمل وتنجز، وتعالج أسباب الغلاء والتدهور الاقتصادي، وتوفر احتياجاته الأساسية، وتخفف عنه أعباء حرب دفع ثمنها من أمنه وماله واستقراره.
وحتى عندما يطرح الصحفيون أزمة الوقود وتداعياتها، نفاجأ بمشهد رئيس الوزراء وهو يقف في إحدى محطات الوقود ليعلن أنه «لا توجد أزمة وقود!»، وكأن وجود الوقود في محطة أو أكثر يكفي لحسم أزمة يشكو منها المواطنون وتنعكس آثارها على النقل والإنتاج والأسعار،ومثل هذه المشاهد تكشف حجم الفجوة بين تصريحات المسؤولين والواقع الذي يعيشه الناس، وتثير تساؤلات حول الطريقة التي تتعامل بها الحكومة مع الأزمات، وحول استعدادها للاستماع إلى النقد بدلاً من الاكتفاء بنفي المشكلات.
وبمناسبة الآليات التي يبدو أن حكومتنا وجدت فيها وصفة جاهزة لمعالجة كل مشكلة، دعوني أتساءل: ماذا فعلت مفوضية مكافحة الفساد واسترداد الأموال العامة التي يرأسها الفريق عابدين الطاهر؟ وما حصيلة أعمالها حتى الآن؟ وكم ملف فساد أحالته إلى الجهات العدلية؟ وكم مسؤولاً خضع للمساءلة نتيجة أعمالها؟ من حق الرأي العام أن يعرف ما أنجزته المفوضية، لأن محاربة الفساد لا تتحقق بمجرد إصدار قرارات التشكيل وإعلان أسماء المسؤولين، وإنما بنتائج ملموسة تعيد الثقة في مؤسسات الدولة وتؤكد أن القانون يُطبق على الجميع.
ونخشى أن نقرأ قريباً عن بلاغات تحركها آلية مكافحة جرائم المعلوماتية ضد صحفيين انتقدوا وزيراً، أو كشفوا خللاً في مؤسسة حكومية، أو طالبوا بمحاسبة مسؤول، بينما تظل نتائج مكافحة الفساد غائبة عن الرأي العام. والمفارقة المؤسفة أن تجد الحكومة من السرعة والحماس ما يكفي لتشكيل آلية تراقب ما يكتبه الصحفيون، دون أن يرى المواطن القدر نفسه من الحسم في مواجهة الأزمات التي تطحنه كل يوم.
ولذلك فإن المطلوب من الحكومة ليس الاكتفاء بترديد شعارات حماية المجتمع والأمن الوطني، وإنما الإفصاح عن الضوابط التي تحكم عمل هذه الآلية، ووضع تعريف قانوني دقيق للنشر الضار، وتحديد حدود اختصاصاتها وصلاحياتها والإجراءات التي تتبعها، بما يضمن عدم استخدامها لمعاقبة النقد الموضوعي أو التضييق على العمل الصحفي.
إن أمن الدولة لا ينفصل عن احترام القانون وحماية الحقوق والحريات، ومكافحة الجرائم الإلكترونية مهمة ضرورية لا خلاف عليها، شريطة أن تُمارس في إطار الشفافية والرقابة القضائية والضمانات القانونية، أما أن تتسع صلاحيات أي آلية دون تحديد واضح للجرائم والإجراءات والحدود الفاصلة بين الرأي والجريمة، فإنها ستظل موضع شك وتساؤل مهما كانت العناوين البراقة التي تحملها.
وعلى حكومة الدكتور كامل إدريس أن تدرك أن أزمات السودان لن تُعالج بإسكات الصحفيين، وأن البلاغات لن تخفض سعر الدولار، ولن توفر الوقود، ولن تعيد الخدمات، ولن تخفف أسعار الخبز، ولن تستر عجز مسؤول أو فشل وزير،فالحكومة التي تضيق بالنقد أولى بها أن تراجع أداءها وأسباب إخفاقاتها، بدلاً من تحميل الصحافة تبعات أزمات تعجز السلطة التنفيذية عن حلها.
والاختبار الحقيقي لهذه الآلية لن يكون في قرار تشكيلها ولا في أسماء أعضائها، وإنما في طبيعة القضايا التي ستتصدى لها، ومدى احترامها لحرية الصحافة والحقوق الدستورية، وقدرتها على مواجهة الجرائم الإلكترونية الفعلية دون تحويل النقد الصحفي إلى جريمة،فالصحافة التي تكشف الخلل وتطالب بالمحاسبة لا تهدد أمن الدولة، وإنما تسهم في حمايته من الفساد وسوء الإدارة وغياب المساءلة.
أما الصحفيون الذين اختاروا الوقوف إلى جانب الحقيقة وكشف الخلل ومساءلة المسؤولين، فلن يسكتهم التلويح بالبلاغات، ولن تثنيهم الملاحقات عن أداء رسالتهم، لأن الحكومة التي تخشى قلم الصحفي وتطارده في المحاكم مطالبة أولاً بأن تسأل نفسها: لماذا عجزت عن مواجهة الأسئلة التي يطرحها هذا القلم؟
فمتى تكف حكومة الدكتور كامل إدريس عن الانشغال بأقلام الصحفيين، إلى حد أن تشكل آلية يُخشى أن تتحول إلى أداة لمكافحتهم، وتتفرغ لمعالجة أزمات السودانيين الذين ينتظرون منها أفعالاً وإنجازات تنهي معاناتهم؟
هارون ينفي علم الوطني بلقاء القاهرة مع الدبلوماسي الغربي
كشف رئيس المؤتمر الوطني المفوض، مولانا أحمد محمد هارون، عن عدم علم أجهزة ا…





