‫الرئيسية‬ مقالات ثورة أكتوبر، لاهي مجيدة ولا الله قال
مقالات - ‫‫‫‏‫5 دقائق مضت‬

ثورة أكتوبر، لاهي مجيدة ولا الله قال

عادل عسوم

تمر علينا اليوم ذكرى ثورة أكتوبر التي غنى لها من غنى وأحتفى بها البعض.

في البدء علينا الإجابة على هذا السؤال:

هل تعني المدنية عدم حكم العسكر؟

المدنية في اللغة مشتقة من الفعل (مَدَنَ) أو (تَمَدَّنَ) بمعنى أقام في المدينة وسكنها واستقر فيها وترك البداوة والترحال. أما في الاصطلاح، فهي تعني الجانب المادي والتنظيمي للحضارة، المتمثل في العمران، والصناعة، والتقنية، والخدمات، ووسائل الاتصال، والأنظمة الإدارية التي تُسهل حياة الإنسان.

وبالتالي فإن الحكم المدني لايعني غياب العسكر أو إقصائه، بل تعني حكم المؤسسات والقانون، وحكم العسكر لا ينفي أبدا مدنية الدولة طالما تم ايجاد جهاز تنفيذي يؤمه تكنوقراط وخبراء.

وبلا جدال فإن العسكري ترجح كفة حبه للوطن على بقية شرائح المجتمع، لكونه يقدم نفسه للموت في سبيل وطنه وأعيانه المدنية وأهله، وهو بذلك أحرص على الوطن من بقية السياسيين، فأي رجحان للكفة بأكثر من ذلك؟!

وكل عاقل وصاحب وعي يعلم يقينا أن فترات الانتقال يكون الجيش خلالها الاصلح للحكم، فإن مؤسسة الجيش تعد أكثر المؤسسات وحدة ولحمة اجتماعية مقارنة بما حولها من احزاب ومكونات ومنظمات مجتمع، وتاريخ السودان الحديث يسجل لجيش السودان نجاحا لافتا لحكم فترتي انتقال استطاع ان يسلم بعدها السلطة بكل اقتدار وسلام إلى الانتخابات، ويكفيه فخرا ان قدم جيشنا للدنيا بأسرها ايقونات مثل المشير عبدالرحمن محمد حسن سوار الدهب وجعفر محمد نميري والزبير محمد صالح وسواهم كثر رحمهم الله.

يقابل ذلك أسى واحباط وعدم رضي -حتى بالنفس- من السياسيين من غير العسكر في ثنايا مدنية وديمقراطية كتب عنها المحجوب رحمه الله وأسهب وأبان وأوضح عوارها، وتحدث الشريف الهندي عنها وقال ما قال.

هل سأل احدنا أو قرأ عن الذي حدث لرائد الاستقلال وأول رئيس (مدني) للسودان وهو اسماعيل الأزهري رحمه الله؟! من هم الذين سعوا إلى ادخاله إلى السجن؟! وما السبب في ذلك؟!، وكل ذلك لم يشارك فيه العسكر من قريب أو بعيد، ثم مات الرجل بحسرته قبل ان يجد العدالة والانصاف طوال فترة سجنه، ولم تنصفه إلا الانقاذ التي انشأت جامعة بإسمه تخرج فيها العديد من شبابنا الذين أوغرت صدورهم -بفعل فاعل- ضد العسكر، وللعلم لست من مؤيدي انقلابات العسكر على عموم ذلك، ولكن هناك استثناءات تفرضها مصالح الاوطان عندما يخشى عليها من الانهيار كما هو الحال الآن في عدد من الدول حولنا، وان اضطر الناس لحكم العسكر فينبغي أن يتم ذلك باجماع الجيش لا ان تنفرد بالرأي جهة او فرد، ومن ذلك مجيء الفريق ابراهيم عبود نتاج فشل ساستنا، وكذلك تسلم سوار الدهب لمقاليد الحكم بعد سقوط نميري، وفي ماضينا القريب (كوشت) احزاب أربعة على الحكم بعد أن أقصت بقية مكونات المظلة التي تجمعها وهي (قحت) بالعشرات من الأحزاب والمكونات، وليتهم عندما حكموا عكفوا وانشغلوا على صلحة البلاد واهتموا بمعاش الناس وصحتهم وتعليمهم، وقد اعترف العديد من رموزهم بفشلهم الزؤام.

وبذلك فإن وجود العسكر خلال فترات الانتقال أدعى لسلامة الأوطان وأضمن لعدالة الحكم التنفيذي المدني فيها، اذ يصبح الجيش خلال فترة الانتقال جسما سياديا مرجعيا، وتسنده سلطة تنفيذية/مجلس وزراء يختار له الوزراء من الكفاءات واهل الخبرة كل في مجاله، وهو ذات الذي حدث من قبل في ثنايا فترتين انتقاليتين.

لنستعرض بعض تفاصيل فترة الانتقال الأولى اكتوبر 64 ونحن نعيش اليوم ذكراها، ياترى هل سأل بعض شبابنا ممن اوغرت صدورهم ضد العسكر ولقنوا جزافا الهتاف الخاطئ (حكم العسكر مابتشكر) عن تفاصيل فترات حكمهم؟! وهل بالفعل كان حكم العسكر الذين قامت عليهم ثورة اكتوبر 64 مابتشكر؟!

لقد كانت اكتوبر ثورة لبعض آبائنا على الحكم العسكري بقيادة الفريق ابراهيم عبود رحمه الله، وهو الذي حكم السودان لست سنوات فقط (من 1958م إلى 1964)، اقرأوا بالله عليكم انجازات العسكر حينها في عهد الفريق ابراهيم عبود وخلال حكم لم يزد عن ست سنوات؟!!!

شهد السودان أولى خطواته في التنمية بعد الاستقلال، وأرسى عبود بنى تحتية راسخة وتنمية مشهودة وازدهار لاقتصاد جعله من الدول المانحة في ذاك الزمان!.

نعم أصبح السودان من الدول المانحة خلال فترة حكم العسكر بقيادة الفريق ابراهيم عبود، ولكم أن تقرأوا عن ذلك!

وهذه (بعض) انجازات العسكر في عهد عبود:

1- انشاء خزان الرصيرص ..

2- انشاء خزان خشم القربة..

3- انشاء مصنع سكر الجنيد ..

4- انشاء مصنع سكر خشم القربة ..

5- انشاء مصنع سكر ملوط ..

6- انشاء مشروع المناقل بمساحة (800) ألف فدان ..

7- انشاء مشروع خشم القربة الزراعى بمساحة (400) ألف فدان ..

8- انشاء مشروعى الدالى والمزموم بمساحة (500) ألف فدان ..

9- تشييد كبرى شمبات وعمل أجنحة لكبرى النيل الابيض ..

10- مد خط السكة حديد الى واو فى جنوب السودان والى نيالا بدارفور ..

11- تشييد طريق الخرطوم حتى الحصاحيصا .. وأكمله جعفر النميرى الى بورتسودان ..

12- انشاء تلفزيون السودان ..

13- انشاء مصنع صك العملة ..

14- انشاء الخطوط البحرية السودانية..

15- انشاء محطة كهرباء برى الحرارية وإنشاء كهرباء سنار ..

16- إنشاء صوامع الغلال فى بورتسودان والقضارف ..

17- إنشاء مصنع البان بابنوسة ..

18- إنشاء مصنع تعليب الخضر والفاكهة في كريمة ..

19- إنشاء مصنع التعليب بمدينة مريدى..

20- إنشاء مصنع الكرتون بمدينة كسلا ..

21- إنشاء مصنع النسيج السودانى بحرى ..

وعندما أزيح الرئيس عبود عن السلطة بسبب ثورة أكتوبر 1964م (غير المجيدة)؛ ترك البيت الحكومي وانتقل إلى بيت أحد أقربائه وعاش فيه إلى ان توفاه الله رحمه الله وغفر له ورضي عنه،

وللعلم فإن عبود هو أول من وحد السودان ثقافيا شمالا وجنوبا، وذلك من خلال تعريب التعليم الأولي، بينما ترك التعليم الثانوي باللغة الانجليزية، وسعى إلى ترقية أساليب التعليم وضمان جودته، وبجانب ذلك عمل على تحجيم سلطة الكنائس في الجنوب بعد ان دحر التمرد وكسر شوكته وأبطل خطط الانجليز بعيدة المدى المسماة بسياسة المناطق المقفولة، وبسبب ذلك بالتحديد كانت نهاية عبود وبداية اكتوبر!

فقد سعى مجلس الكنائس العالمي إلى الكيد للفريق إبراهيم عبود، وكانت لهذا المجلس بصماته في إسقاط حكم عبود، وتداعى الشيوعيون لذلك بشعارات ثورية وديمقراطية مستغلين دم القرشي رحمه الله، والقرشي قتل برصاصة طائشة، واستطاع الشيوعيون التأثير على الشارع من خلال واجهة اسموها جبهة الهيئات شبيهة بواجهتهم قريبة العهد (تجمع المهنيين)، وحشدوا الهتافات الثورية الجوفاء، والأناشيد المحركة للعواطف، فلم يجد عبود إلا التنازل سلميا وتسليم السلطة، لتسود فوضى أكتوبر الذي جاء بدسائسه ومكائده الحزبية البغيضة، وﻷول مرة تتصاعد اﻷزمة السودانية ويتم تدويل مشكلة الجنوب، فاليسار معهود عنه الاستقواء بالخارج كما فعلت حكومة قحت قبل سنوات قليلة عندما أتت بفوكلر وأشباهه!، وتحت خباء الديمقراطية مورس التسلط ووأد الحريات، وقد كانت مصونة الى درجة مشهودة خلال فترة حكم العسكر من قبل ثورة أكتوبر، وتجرأ البعض على مقدسات الأمة، فتم حل الحزب الشيوعي من داخل البرلمان عندما تطاول شيوعي على شرف نبينا صلى الله عليه وسلم وأمهات المؤمنين رضي الله عنهن، ولخص محمد احمد المحجوب رحمه الله خيبته كمثقف وسياسي في ديمقراطية اكتوبر ومابعدها في كتابه الفخيم (الديمقراطية في الميزان).

والحق يقال بأن حكم عبود لم يخل من بعض السلبيات والسوءات، ومن ذلك استفحال مشكلة الجنوب، ثم قضية قسمة مياه نهر النيل مع مصر والتفريط في مدينة وادي حلفا وماجاورها من قرى عديدة بكرم حاتمي لم يجد من الطرف الآخر مقابل ينفع الوطن وأهلنا ولا تقدير!

لكن تبقى انجازات الرجل على الرغم من قصر فترة حكمه ماثلة للعيان تحكي عن حب حقيقي للوطن، ويشي المنحى الذي اتخذه عبود في تسليم السلطة بكونه لم يكن ديكتاتورا البتة كما وصفته اناشيد اكتوبر الساذجة، وقد شهد الإعلام في كل مجالاته طفرة غير مسبوقة في عهده الزاهر من اذاعة وصحف ومجلات وتلفاز ومنتديات واركان نقاش وسواها.

ليتنا جميعا نقرأ تفاصيل تأريخ السودان منذ الاستقلال جيدا قبل أن يعتمر أحدنا هتافا ينافي الحقيقة ويركس بالوطن، واقرأوا أيضا عن تأريخ اليسار وسجل خيانات قياداته منذ الاستقلال وإلى عمر قمر الدين الذي اعترف بخيانته لوطنه بعضمة لسانه.

اللهم هل بلغت اللهم فاشهد.

adilassoom@gmail.com

‫شاهد أيضًا‬

احزان بادية كردفان

قبل ان يفيق الاسلاميون من صدمة خبر رحيل التيجاني عبدالقادر، عاجلهم نبأ رحيل الخليفة ابن عم…