بوصلة الحقيقة وسط الركام: الإحصاء كسلاح للتعافي وإعادة الإعمار في السودان
شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com
تأتي الذكرى الأقرب لليوم العالمي للإحصاءات، الذي تحتفل به الأمم المتحدة كل خمس سنوات في العشرين من أكتوبر، لتضع العالم أمام مرآة تحولاته وتحدياته الكبرى. تحت شعار “بيانات أفضل من أجل حياة أفضل”، يترسخ المفهوم الذي مفاده أن الإحصاء ليس مجرد ترف أكاديمي أو أرقام صماء تُزين التقارير المكتوبة، بل هو بوصلة الحقيقة والركيزة الوجودية لبناء سياسات تنموية مستدامة وعادلة. إلا أن هذا اليوم يكتسي مرارة خاصة وزخماً استثنائياً عندما نُوجه المجهر نحو واقع المؤسسات الإحصائية في مناطق الحروب والنزاعات، وفي مقدمتها الجهاز المركزي للإحصاء في السودان، الذي أضحى يقف في قلب عاصفة النزاع العاتية.
لقد فرضت الحرب الدائرة في السودان تحديات كارثية على العمل الإحصائي، حيث تعرض الجهاز المركزي للإحصاء لانتهاكات جسيمة طالت معالمه المادية والبشرية؛ إذ أدى تدمير المقرات ومراكز جمع البيانات ونهبها إلى ضياع أرشيفات تاريخية نادرة، وتشتت الكوادر والخبراء الإحصائيين، وتدمير البنى التقنية المشغلة. تزامن ذلك مع استحالة الوصول الميداني لجمع بيانات دقيقة حول أعداد الضحايا، والنازحين، والفقر، والبطالة، ومعدلات التضخم التي أضحت تتخبط وسط انهيار العملة وتوقف النشاط الاقتصادي في معظم أرجاء البلاد.
والأدهى من التدمير المادي هو خطر “العبث بمخرجات الإحصاء” وتسييس المعلومة الإحصائية؛ فعندما تشتعل الحروب، تحاول أطراف الصراع تحويل الأرقام إلى سلاح للدعاية وتوجيه الرأي العام، إما بتضخيم الأرقام لاستدرار الدعم أو تقزيمها لإخفاء حجم الجرم. إن مساس نزاهة البيانات والتشكيك في استقلاليتها يقتلان موضوعية الإحصاء، ويحولانه من أداة للبناء والتخطيط البصير إلى أداة للتضليل، مما يفقد الدولة مصداقيتها أمام المجتمع المحلي والدولي على حد سواء.
تطرح التجربة السودانية سؤالاً محورية حول كيفية تأمين وحماية الأجهزة الإحصائية بوصفها جهات سيادية حساسّة ضد أهوال الحروب والكوارث الطبيعية. إن التأمين المطلوب لا يقتصر على الصيانة المادية، بل يستوجب إقامة منظومة متكاملة من الترسانات القانونية والتقنية تشمل : الحصانة السياسية والاستقلالية المفهومية بإقرار حصانة قانونية ومؤسسية كاملة تجعل جهاز الإحصاء سلطة مستقلة عن الجهاز التنفيذي والسياسي، مع ضمان إلزامية مخرجاته لجميع مؤسسات الدولة وعدم خضوعها للتعديل أو الضغط، والتحول الرقمي والسحابي العابر للحدود وإلغاء الاعتماد على خوادم محلية أو أرشيفات ورقية في مناطق الهشاشة، وإنشاء مراكز بيانات احتياطية وآمنة (Disaster Recovery Sites) خارج البلاد، مشفرة ومحمية بسلسلة من البروتوكولات الرقمية المعتمدة دولياً، وتفعيل بروتوكولات الأزمات والتقنيات الناشئة باعتماد آليات العمل عن بعد، وتفعيل شبكات جمع البيانات الرقمية عبر الاتصالات والتقنيات الحديثة، وتطبيق “الشراكة الإحصائية الإنسانية” مع منظمات الأمم المتحدة والبنك الدولي للوصول الميداني غير المباشر في المناطق المعزولة، مع الاستمرار في حماية الكوادر وتأمينها.
عندما تسكت أزيز الرصاص وتبدأ مرحلة إعادة الإعمار، تتضاعف الحاجة إلى جهاز إحصائي محصن ومستقل كلياً عما سلف. إن التعامل مع أضرار الحرب وإعادة بناء الوطن لا يمكن أن يتم عبر الحدس أو التخمين أو التقديرات العشوائية. يحتاج تصميم برامج إعادة الإعمار، وتوجيه المساعدات الدولية، وتوزيع الموارد، وتحديث البنيات التحتية، وإعادة العمالة، إلى مسوحات ميدانية دقيقة وشفافة تعكس خريطة الواقع السوداني بدقة خالية من التسييس.
إن نهوض السودان من بين الركام مشروط بالاعتراف بأن إنقاذ الجهاز الإحصائي هو إنقاذ لضمير الدولة وعقلها المدبر. فالإحصاء هو الحقيقة الوحيدة الصامدة عندما تتشابك الروايات؛ وتحصين هذه الحقيقة هو الخطوة الأولى والأساسية نحو قيام دولة العقل والاستقرار والتنمية الشاملة.
بين حكمة المدير وإلهام القائد عندما يتجلى الملمح لدى البرهان
في أدبيات الإدارة والعلوم السياسية الحديثة يُطرح دائماً تمييز دقيق بين مفهومين أساس…





