تقى عبد المنعم إبراهيم… من الحلفاية إلى منصة التفوق .. لحظة تتوّج نجابة البدايات بامتياز النهايات ، ويزهر التعليم الحكومي في زمن المحن
عبد الكريم ابراهيم

ليست النجابةُ رقماً يُدوَّن في كشف النتائج ، ولا التفوقُ درجةً تُضاف إلى مجموع الدرجات ، وإنما هما ثمرةُ تربيةٍ أصيلة ، وغرسُ أسرةٍ آمنت بأن العلم زاد الحياة ، وسلاح المستقبل ، ومفتاح الخروج من ضيق الواقع إلى رحابة الممكن . وما النجاح ، في أبهى تجلياته ، إلا حكايةُ صبرٍ انتصر ، وأملٍ استمر ، وإرادةٍ لم تستسلم للعواصف ، بل جعلت من المحنة مِحكّاً ، ومن الشدة شِدّةً في العزيمة ، ومن ظلام الظروف نافذةً يطل منها نور الغد.
وفي سجل النجاحات التي تستحق أن تُروى بمداد الفخر ، وأن تُحفظ في ذاكرة الأسرة والوطن ، تشرق حكاية ابنتنا النجيبة ابنة اخي ، تقى عبد المنعم إبراهيم محمد خوجلي ، التي عادت إلينا بإنجاز جديد يضاف إلى رصيدها المضيء ، فأحرزت مجموع 277 درجة من أصل 280 درجة في امتحانات الشهادة المتوسطة للعام 2026 م ، من مدرسة الحلفاية الجديدة ، متوجةً مسيرتها الدراسية بتفوق باهر محتلة المركز الثالث على مستوى ولاية الخرطوم والأول على مدرستها ومنطقتها ، ومحققةً نسبةً بلغت نحو 98.93% فاقت بها نسبة تقى الأولى حاملة الإسم ، في إنجاز يليق بطموحها ، ويُبهج قلوب أهلها ، ويبعث في النفوس يقيناً بأن بذور الاجتهاد ، مهما تأخرت مواسم حصادها ، لا بد أن تُثمر بإذن الله.
لقد جاءت هذه النتيجة امتداداً طبيعياً لنجاح سابق ، لم يكن أقل إشراقاً ولا أعمق دلالة في امتحانات الشهادة الابتدائية لعام 2024 ، من محلية شندي بولاية نهر النيل ، بعد أن واجهت ظروفاً قاسية صاحبت نزوحها من الحلفاية ، أرض الأجداد وموطن الذكريات ، بصحبة والديها وجدتها ، واعمامها ، تاركةً وراءها كتبها وأدواتها المدرسية ومستلزماتها الشخصية ، تحت وطأة حربٍ بغيضة لم تكتفِ بتشريد الناس من ديارهم ، بل سعت ، في آثارها الموجعة ، إلى تشتيت أحلامهم وقطع صلتهم بمستقبلهم .
غير أن تقى كانت أكبر من الظروف ، وأقوى من الانكسار ، حملت ما استطاعت استدعاءه من مخزون الذاكرة ، واستندت إلى ما تلقته من تعليمٍ راسخ في مدرستها الأم بالحلفاية قبل الحرب ، ثم مضت في طريقها بعزمٍ لا تلين قناته ، حتى أثبتت أن ما يُغرس في العقول لا تستطيع الحروب أن تنتزعه بسهولة ، وأن ما يُبنى بالعلم والإرادة يظل قائماً ، ولو تهدمت من حوله الجدران.
وحين نعود إلى تلك التهنئة التي كتبناها لها من قبل في أعقاب نجاحها الابتدائي ، نجد أن الكلمات التي قيلت يومذاك لم تكن مجرد عبارات فرح عابرة ، وإنما كانت بشارةً بمستقبلٍ تتوالى فيه الخطوات الواثقة ، وتتعاقب فيه بشائر النجاح ، يومها فرحنا واليوم يحق لنا أن نفرح اكثر بمجموعٍ يكاد يلامس الكمال حيث الكمال لله وحده ، بالأمس كانت تقى تخطو أولى درجات السُّلَّم ، واليوم ترتقي درجةً أعلى ، وبين الأمس واليوم مسافةٌ قطعتها بالاجتهاد ، لا بالأماني ، وبالعمل والاجتهاد ، لا بالتمني.
وما أجمل أن تتجدد التهنئة ، وأن يتجدد معها الفخر ، وأن تظل الفرحة الأولى حيةً في الوجدان ، كأنها لم تغادر القلوب ، بل ازدادت رسوخاً واتساعاً ، فهنيئاً لك يا تقى ، وقد أثلجتِ الصدور ، وأبهجتِ النفوس ، وأعدتِ إلى الذاكرة طعم الفرح الذي لا تصنعه الكلمات وحدها ، وإنما تصنعه الإنجازات حين تتحدث عن أصحابها بلسان الحال قبل المقال.
لقد استقبل الأهل والأحباب والأصدقاء هذا النجاح بحفاوةٍ غامرة ، وارتفعت الزغاريد ، وتعانقت الدعوات مع الدموع ، وامتزجت مشاعر الفرح بالاعتزاز ، في مشهدٍ لا تختصره الدرجات الثلاثمائة إلا قليلاً ، فهذه ال 277 درجة ليست أرقاماً صماء ، بل هي ليالٍ من المذاكرة ، وساعات من التركيز ، وصبرٌ على المشقة ، ودعوات والدين ، ورجاء جدتين ، وفرحة أسرة رأت في ابنتها ثمرةً مباركةً لغرسها ، وبشارةً بأن المستقبل ، مهما تكاثفت سحبه ، لا يزال يحمل فسحةً واسعةً من الضوء.
ومن الوفاء أن تهدي تقى نجاحها إلى والديها الكريمين ، الأستاذ المربي عبد المنعم إبراهيم محمد خوجلي ، والمهندسة وجدان عبد الرحيم صباحي حمد ، وإلى جدتيها العزيزتين ، خادم الله حسين الفضل ونايلة عبد الله حمد. ، حفظهما الله ومتعهما بالصحة والعافية ، عرفاناً بما أحاطنها به من دعاءٍ ورعاية ، وما غمرنها به من محبةٍ وحنان. فالنجاح ، وإن حمل اسم صاحبته ، لا ينفرد بصناعته فرد ، إذ وراء كل متفوقة أسرةٌ تسهر ، وأيدٍ ترعى ، وقلوبٌ تدعو ، وبيئةٌ تؤمن بأن الأبناء ليسوا امتداداً للأسماء فحسب ، بل امتدادٌ للأمل والعمل والطموح.
والتهنئة موصولة إلى الوالدين ، والجدود والجدات ، والأعمام والعمات ، والأخوال والخالات ، وإلى الأسرة الكريمة في حلفاية الملوك ، شمبات ، الكدرو ، العيلفون ، شندي ، بربر ، الدامر وبورتسودان ، وإلى الأهل والأصدقاء داخل السودان وخارجه ، وكل من شارك هذه الأسرة فرحتها ، أو دعا لتقى بالتوفيق ، أو أسهم بكلمةٍ طيبةٍ في صناعة هذه اللحظة الجميلة.
ولعل من أعمق ما يمنح هذا النجاح قيمته أنه ليس نجاحاً فردياً فحسب ، بل هو ، في وجهٍ من وجوهه ، نجاحٌ للتعليم الحكومي السوداني ، وشهادةُ ثقةٍ في المدرسة الحكومية ، وفي المعلم السوداني ، وفي قدرة مؤسسات التعليم العام على صناعة التفوق متى توافرت الإرادة والاجتهاد والإخلاص.
لقد تلقت تقى تعليمها منذ المرحلة الابتدائية وحتى مرحلتها الحالية في مؤسسات التعليم الحكومي ، وظلت تجربتها شاهداً عملياً على أن التفوق ليس حكراً على القطاع الخاص و المؤسسات ذات الكلفة المرتفع ،، وأن جودة المخرجات لا تُقاس برسوم الدراسة وحدها ، وإنما بما يُبذل من جهدٍ في التعليم والتعلّم ، وما يتوافر من جديةٍ ومتابعةٍ ورعاية ، وما يحمله الطالب من رغبةٍ صادقة في بلوغ الغايات.
إن نجاح تقى يضع أمامنا حقيقةً تستحق التأمل ، قد تضيق الإمكانات ، ولكنها لا تُعدم المواهب ، وقد تشتد التحديات، ولكنها لا تُسقط بالضرورة فرص النجاح ، وإذا كان التعليم الحكومي قد أتاح لتقى أن تتقدم من نجاحٍ إلى نجاح ، فإن الواجب الوطني يقتضي أن نمنحه ما يستحقه من اهتمامٍ وتطويرٍ وتأهيل ، وأن نُحسن الاستثمار في معلميه ومدارسه وبيئته التعليمية ، حتى لا يظل التفوق حكاياتٍ استثنائيةً تُروى ، بل يصبح ثمرةً متوقعةً لمنظومةٍ قويةٍ وعادلةٍ تُنصف أبناء الوطن جميعاً.
فالتعليم الحكومي ليس تعليماً لمن ضاقت بهم الخيارات ، وإنما هو ركيزةٌ أساسية من ركائز الدولة ، وحقٌ أصيل للمواطن ، ورافعةٌ للعدالة الاجتماعية ، وبوابةٌ تتكافأ عندها الفرص ، فلا يُحرم صاحب الموهبة من بلوغ غايته بسبب ضيق ذات اليد ، ولا يُحجب نور العقل خلف حواجز القدرة المادية ، ومن هنا ، فإن قصة تقى تستحق أن تُقرأ باعتبارها رسالةً إلى صُنّاع القرار، قبل أن تكون مناسبةً للتهنئة ، رسالةً تقول إن الاستثمار في التعليم العام استثمارٌ في الإنسان ، وإن صيانة المدرسة الحكومية صيانةٌ لمستقبل البلاد.
ومن جميل المصادفات التي تمنح هذه المناسبة بُعداً رمزياً أوسع ، أن اسم تقى يطل علينا مرةً أخرى في سماء التفوق السوداني ، عبر الطالبة تقى النور ، القادمة من دنقلا بالولاية الشمالية ، التي أحرزت المرتبة الأولى على مستوى السودان في امتحانات الشهادة السودانية لعام 2026، وفق ما ورد في التهنئة السابقة التي استحضرنا فيها نجاحها الباهر ، وهي تستحق منّا كل التقدير والدعاء بمزيدٍ من التوفيق.
هنا تتجاور تقى عبد المنعم إبراهيم ، ابنة الحلفاية ، وتقى النور ، ابنة دنقلا ، في مشهدٍ تتعانق فيه الأسماء والمدن ، وتتآلف فيه البدايات والغايات ، هذه من الحلفاية ، وتلك من دنقلا ، هذه تضيء طريقها في الشهادة المتوسطة ، وتلك بلغت قمة التفوق في الشهادة السودانية ، وبينهما تتسع خارطة الأمل من ضفاف النيل في الشمال إلى أحياء الخرطوم وامتداداتها ، لتقول إن السودان ، على اتساع جراحه ، لا يزال قادراً على إنجاب العقول النابهة والقلوب الطموحة.
وما أجمل أن يلتقي الاسمان العزيزان على معنى واحد ، وإن اختلفت المراحل وتباعدت الأمكنة ، فكأن «تقى» هنا ليست اسماً لشخصين فحسب ، وإنما عنوانٌ لمعنى تتوارثه الأجيال ، تقوى في السلوك ، ونقاءٌ في المقصد ، وسموٌّ في الطموح ، وارتقاءٌ بالعلم والعمل ، وفي هذا التجاور جناسٌ معنويٌّ لطيف بين الاسم والمسمّى ، وبين النور الذي تحمله إحداهما في اسمها ، والنور الذي يشع من إنجاز الأخرى في واقعها ، حتى كأن دنقلا تبعث إلى الحلفاية تحيةً من ضوء ، وترد الحلفاية عليها بتحيةٍ من تفوق.
أما الحلفاية ودنقلا ، فليستا فقط اسمين على خريطة الوطن ، وإنما مدينتان تختزنان ذاكرةً سودانيةً عريقة ، وتربطهما بالنيل وشائج التاريخ والحياة ، وبينهما تمتد مسيرة أجيالٍ جعلت من العلم طريقاً للارتقاء ، ومن المعرفة جسراً للعبور إلى المستقبل ، وإذا كانت تقى النور قد رفعت اسم دنقلا عالياً بتفوقها ، فإن تقى عبد المنعم إبراهيم ترفع اسم الحلفاية كذلك عالياً بإنجازها ، لتلتقي المدينتان في غايةٍ واحدة أن يكون العلم عنواناً للمجد ، وأن تكون نجابة الأبناء مبعثاً للفخر ، وأن تظل أرض السودان ، مهما أثقلتها المحن ، أرضاً تنبت التفوق كما تنبت النخيل على ضفاف النيل.
وليس في هذه المقارنة انتقاصٌ من إحداهما لصالح الأخرى ، ولا مفاضلةٌ تُقلل من قدر أيٍّ منهما ، وإنما هي تحيةٌ للنجاح حيثما أشرق ، واحتفاءٌ بالتفوق أينما حلّ ، فالمجد لا يضيق بتعدد أهله ، والنجاح لا يفقد قيمته حين يشاركه فيه الآخرون ، بل يزداد بهاءً حين تتعدد منابعه وتتسع دوائره.
إننا نرى في نجاح تقى عبد المنعم ، كما رأينا في نجاح تقى النور ، صورةً من صور الصمود السوداني الجميل ؛ ذلك الصمود الذي لا ينكر الألم ، ولكنه يرفض أن يجعل منه نهاية الحكاية ؛ ولا يتجاهل آثار الحرب ، ولكنه يصر على أن الحياة تستحق أن تُستأنف ، وأن المستقبل يستحق أن يُبذل من أجله الجهد ، فالحرب قد تهدم البيوت ، وقد تُفرّق الأسر ، وقد تُبعد الطلاب عن مدارسهم ، لكنها لا تستطيع ، متى وجدت الإرادة والرعاية ، أن تنتزع من العقول حقها في المعرفة ، أو من القلوب حقها في الحلم ،
ولعل أبلغ ما في حكاية تقى أنها تقدم لنا الطباق بين المحنة والمنحة ، وبين النزوح والاستقرار ، وبين الخوف والرجاء ، وبين ضيق الحاضر وسعة المستقبل ؛ ففي الوقت الذي سعت فيه الظروف إلى إرباك مسيرتها ، مضت هي في طريق العلم بثبات ، وفي الوقت الذي تركت فيه الحرب وراءها الكتب والأدوات ، لم تترك وراءها الرغبة في النجاح ، وفي الوقت الذي بدا فيه الطريق محفوفاً بالعقبات ، جعلت من الاجتهاد دليلاً ، ومن الصبر زاداً ، ومن التوكل على الله سنداً ،
وإذا كان من حقنا أن نفرح بهذه النتيجة ، فإن من واجبنا أيضاً أن نتأمل الدرس الذي تنطوي عليه ، أن النجاح الحقيقي ليس أن تبلغ غايتك حين تُهيّأ لك كل أسباب الراحة ، وإنما أن تواصل السير حين تتعثر الأسباب ، وأن تحافظ على وجهتك حين تتبدل الطرق ، وأن تثبت على الأمل حين تتكاثر دواعي اليأس . فكم من طالبٍ امتلك الكتب ولم يمتلك العزيمة ، وكم من طالبٍ حُرم بعض الوسائل ولكنه عوّضها بالإصرار والمثابرة ، وليس المقصود أن نهوّن من أثر الظروف القاسية ، وإنما أن نؤكد أن الإرادة ، حين تجد الرعاية والتشجيع ، تستطيع أن تفتح في الجدار نافذةً للضوء.
ولأن لكل نجاحٍ رسالةً تتجاوز صاحبه ، فإننا نأمل أن تكون تجربة تقى مصدر إلهامٍ لزميلاتها وزملائها ، وأن تُريهم أن الدرجات العالية لا تأتي بالأمنيات ، بل بالتنظيم والاجتهاد ، وأن الطموح لا يكتمل إلا بالعمل ، وأن الثقة بالنفس لا تعني الاستغناء عن المعلم والأسرة ، بل تعني حسن الانتفاع بتوجيههما ، والاستفادة من خبراتهما والحرص على التعلم المستمر.
كما نأمل أن تظل هذه النتيجة حافزاً لتقى نفسها ، لا محطةً أخيرةً تستريح عندها ، ولا عبئاً يثقل كاهلها بتوقعات الآخرين ، وإنما خطوةً جديدةً في مسارٍ طويلٍ من التعلم والنضج ، فالمراحل الدراسية تتعاقب ، والامتحانات تتجدد ، والحياة تفتح أبواباً لا تنتهي لمن أحسن الاستعداد لها ، واليوم نهنئها على الشهادة المتوسطة ، وغداً نرجو أن نهنئها على الشهادة الثانوية ، وبعد غدٍ على إنجازاتٍ أكبر في ميادين العلم والعمل وخدمة المجتمع ، بإذن الله تعالى.
يا تقى ، لقد أسعدتِ قلوبنا مرةً أخرى ، وأثبتِّ أن التفوق ليس ومضةً عابرةً في سماء الحياة ، وإنما قد يكون نهجاً يتجدد حين يجد صاحبه العزم والرعاية والتوفيق ، كنتِ بالأمس ابنةً نجيبةً رفعت اسم منطقتها وولايتها ، وأصبحتِ اليوم طالبةً متفوقةً تُجدد الفخر بالحلفاية ومدرستها الحكومية ، وتمنح أسرتك سبباً جديداً للفرح والاعتزاز ، فامضي في طريقك مطمئنةً ، واجعلي من نجاحك مسؤوليةً جميلةً تجاه الغد ، ومن العلم وسيلةً للنفع ، ومن التواضع زينةً للتفوق ، ومن بر الوالدين والوفاء للأسرة خُلُقاً يرافقك في كل مراحل العمر.
ولا يفوتنا في هذا المقام أن نحيي المعلمين والمعلمات في مدرسة الحلفاية الجديدة ، وكل من أسهم في مسيرة تقى التعليمية ، منذ سنواتها الأولى وحتى هذه المرحلة ، فللمعلم في كل نجاحٍ نصيب ، وإن لم يظهر اسمه في كشف الدرجات ، وله في كل عقلٍ مستنير أثر ، وإن غابت صورته عن لحظة التكريم . إنهم جنود المعرفة الذين يزرعون في صمتٍ ، ويحصد المجتمع بجهدهم ثماراً تبقى آثارها طويلاً بعد انقضاء الامتحانات.
والتحية كذلك لكل العاملين في حقل التعليم الحكومي ، الذين يواصلون أداء رسالتهم في ظروفٍ استثنائية ، ولكل أسرةٍ صبرت على مشاق النزوح ، ولكل طالبٍ حمل كتابه رغم التعب ، ولكل معلمٍ ظل متمسكاً برسالته رغم ضيق الإمكانات. إن هؤلاء جميعاً شركاء في صناعة الأمل ، وإن كانت الأضواء لا تتسع في لحظةٍ واحدةٍ لتشملهم جميعاً.
وفي الختام ، فإننا لا نملك أمام هذا الإنجاز إلا أن نرفع أكف الضراعة إلى الله ، شاكرين فضله ، راجين أن يجعل نجاح تقى فاتحة خيرٍ وبركة ، وأن يبارك في علمها وعمرها ، وأن يديم عليها الصحة والعافية ، وأن يقر بها أعين والديها وجدتيها واسرتها ، وأن يجعلها من الذين ينفعون أهلهم ووطنهم بما يتعلمون ، وأن يكتب لها دوام التوفيق في مراحلها الدراسية المقبلة.
كما نسأله سبحانه أن يرحم بلادنا من ويلات الحرب ، وأن يعيد الأمن والأمان والاستقرار إلى ربوع السودان ، وأن يجمع شمل الأسر المشتتة ، ويرد النازحين إلى ديارهم سالمين غانمين ، وأن تعود الحلفاية وسائر مدن السودان إلى أيامها الآمنة ، حيث يذهب الطلاب إلى مدارسهم مطمئنين ، وتُفتح الكتب في البيوت بلا خوف ، وتُستقبل النتائج بالزغاري ، لا بالقلق ، ويكون التنافس بين أبنائنا في ميادين العلم والبناء ، لا في مساحات النجاة من المحن .
مباركٌ لكِ يا تقى هذا التفوق الباهر ، ومباركٌ لوالديك وجدتيك وأسرتك الكريمة ، ومباركٌ للحلفاية ومدرستها الحكومية ، ولكل من أحبك ودعا لك وشاركك فرحتك.
لقد أكدتِ ، مرةً بعد أخرى ، أن النجابة لا تُقاس بالدرجات وحدها ، وأن النور قد يخرج من قلب العتمة ، وأن الغرس الطيب لا يضيع ، وأن العلم ، مهما حاصرته الظروف ، يظل نافذةً مفتوحةً على الحياة.
فإذا كان الأمس قد شهد نجاحك الأول ، فإن اليوم يشهد رسوخ خطاك ، وإذا كانت الحلفاية قد احتفت بكِ في وجدان أهلها ، فإن تفوقك يمنحها سبباً جديداً للفخر ، ويضيف إلى سجل التعليم الحكومي صفحةً مشرقةً من صفحات النجاح.
ولعل أجمل ما نختم به أن نقول :
قد تتبدل الديار ، ولكن لا تتبدد الأحلام ، وقد تضيق السبل ، ولكن لا تضيق العزائم ، وقد تشتد المحنة ، فتشتد معها الإرادة ، ويزداد الأمل توهجاً.
تقى عبد المنعم إبراهيم… من نجاحٍ إلى نجاح ، ومن درجةٍ إلى درجة ، ومن أملٍ إلى أمل ، لتظل حكايتك شاهداً على أن الحرب قد تعطل المسير ، لكنها لا ينبغي أن توقف المصير ، وأن التعليم الحكومي ، حين يجد من أبنائه الإخلاص والاجتهاد ، يستطيع أن يصنع التفوق ويهدي الوطن بشائر الغد.
هنيئاً لكِ يا تقى ، ومنها إلى الأعلى بإذن الله ، ولتبقَ راية العلم مرفوعةً ، وراية السودان موحدةً ، وأفراح النجاح بشارةً بأيامٍ أجمل ، يعود فيها الوطن إلى أهله ، ويعود أهله إلى ديارهم ، ويزهر المستقبل على ضفاف النيل من الحلفاية إلى دنقلا ، ومن السودان كله إلى آفاق المجد والازدهار.
البرهان.. الإصلاح أو الطوفان!!
من يتابع الحملة الشرسة التي تشهدها مواقع التواصل الاجتماعي ضد رئيس مجلس السيادة الانتقالي،…





