‫الرئيسية‬ مقالات السودان.. كيف تتشكل قناعة المواطن؟
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعة واحدة مضت‬

السودان.. كيف تتشكل قناعة المواطن؟

أصل_القضية | من سلسلة الجسر والمورد د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

> ليس أصعب على الإنسان من أن يعيش واقعًا مثقلًا بالأسئلة، ثم يجد نفسه محاطًا بإجابات جاهزة عن كل ما يحدث. وفي السودان، حيث تتداخل الحرب مع الاقتصاد والسياسة، وتتسارع الأحداث على نحو يرهق القدرة على المتابعة، لا تنقصنا التفسيرات بقدر ما نحتاج إلى فهم الكيفية التي نصنع بها هذه التفسيرات، ونمنح بعضها ثقتنا، ونرفض بعضها الآخر.

 

لنتأمل معًا أربعة أخبار تبدو متباعدة في موضوعاتها، لكنها تفتح نافذة على سؤال واحد.

في الساحة الخضراء، يقول رئيس الوزراء كامل إدريس: «لن تخيفنا المسيرات ولا الحرب الاقتصادية والإعلامية». وفي ملف العلاقات مع إثيوبيا، يؤكد وكيل وزارة الخارجية أن السودان يحتفظ بحق الرد. وفي شأن تهيئة الحوار، يطرح حسين ملاسي سؤالًا عن الجهة التي اختارت أعضاء اللجنة، إذا كان هؤلاء هم من اختاروا بدورهم أحد أعضائها. وعلى جبهة الحياة اليومية، يتداول الناس تحذير العميد طبيب معاش د. طارق كيجاب من ظلام دامس بلا وقود.

 

نحن أمام أربعة أنماط مختلفة من الرسائل خطاب تحدٍّ، وموقف سيادي معلن، وسؤال عن مصدر التفويض، وتحذير يمس تفاصيل الحياة اليومية. ولا يصح وضعها في خانة واحدة أو افتراض أنها تحمل المعنى نفسه. لكن اجتماعها يتيح لنا التأمل في أمر يتجاوز مضمون كل خبر كيف ينتقل الحدث من كونه معلومة متداولة إلى معنى يستقر في أذهان الناس؟

فالتصريح الذي يراه أحدهم تعبيرًا عن الثبات قد يثير لدى آخر تساؤلات عن النتائج العملية لهذا الثبات. والموقف المعلن في العلاقات الخارجية قد يُقرأ بوصفه تأكيدًا للسيادة، بينما ينتظر آخرون معرفة ما ستسفر عنه الخطوات الفعلية. أما السؤال عن لجنة تهيئة الحوار، فقد ينقل الاهتمام من أسماء المشاركين إلى الجهة التي اختارتهم والمعايير التي استندت إليها. وفي المقابل، قد يجد التحذير من انقطاع الوقود معناه المباشر لدى من ترتبط معيشته باستمرار الكهرباء والعمل والخدمات.

هذه احتمالات تفسيرية، وليست أحكامًا على ما يفكر فيه المواطنون فعلًا. لكنها تكشف أن الخبر لا يصل إلى الجميع في فراغ؛ فكل إنسان يستقبله من موقعه في الحياة، وفي ضوء تجاربه السابقة ومصادر معلوماته وتوقعاته بشأن ما سيأتي.

غير أن المسألة لا تقف عند حدود الطريقة التي نفهم بها الخبر فالتجربة التي نعيشها بعده قد تعيد تشكيل فهمنا له، وربما لمواقفنا من الحياة نفسها.

في واقعنا السوداني، لا يحتاج المرء إلى وقت طويل ليجد رواية تشرح ما يجري؛ فلكل واقعة من يعرف أسبابها، ولكل تصريح من يحدد مقاصده، ولكل أزمة من يملك إجابة جاهزة عن المسؤول عنها ومآلاتها. وقد تستند هذه التفسيرات إلى خبرة حقيقية أو معلومات صحيحة، فتبدو مقنعة لأصحابها ولمن يتداولونها. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول سهولة التفسير إلى شعور بالاكتفاء منه؛ فنعرف الخبر قبل أن نفحص تفاصيله، ونحدد معناه قبل أن تتضح ملابساته، ثم نعيد ترتيب الوقائع بما يجعلها منسجمة مع ما استقر في أذهاننا.

وعندما تتكرر التجارب، لا تظل آثارها محصورة في تفسير الأحداث بل قد تمتد إلى تشكيل ما نعتقد أنه ممكن، وما نتوقع حدوثه، وما نستعد لقبوله أو رفضه. فالإنسان لا يبني مواقفه من المعلومات وحدها، وإنما أيضًا مما يختبره في حياته، وما يتعلمه من تكرار المواقف، وما يراه من نتائج الإصرار أو التراجع.

وهنا نصل إلى زاوية أكثر حساسية ماذا يحدث حين تصبح المطالبة بالحق نفسها مصدرًا للاستنزاف؟

قد يبدأ الأمر بحق واضح، أو خدمة مستحقة، أو معاملة ينبغي أن تُنجز وفق القواعد. لكن إذا تكررت المماطلة، وتراكمت العقبات، وأصبح الوصول إلى المستحقات يستهلك الوقت والجهد والأعصاب، فقد يجد الإنسان نفسه أمام معادلة لم يخترها هل يواصل المطالبة بما يستحق، أم ينسحب طلبًا للراحة من معركة استنزفت ما لديه من طاقة؟

وتزداد المسألة تعقيدًا حين يُقدَّم الحق باعتباره منحة، ويُعامل صاحبه كما لو كان مدينًا بالامتنان لمجرد حصوله على ما يستحق. عندها تختلط الحقوق بالمِنن، ويصبح الحصول على المستحقات وكأنه فضل من الطرف الذي يملك منحها، لا التزامًا تفرضه القواعد والواجبات.

وقد يمتد الضغط إلى ما هو أبعد من الحق نفسه إذ يجد الإنسان نفسه مضطرًا إلى التغاضي عن معاملة غير لائقة، أو ابتلاع إساءة، أو تجنب الاعتراض، خشية أن تتعقد أموره أكثر. وهكذا لا تصبح كلفة المطالبة مادية أو إجرائية فحسب، بل قد تمس الكرامة أيضًا.

لا يعني ذلك أن كل تأخير مقصود، أو أن كل عقبة تُوضع بهدف إخضاع صاحب الحق فقد تنشأ المشكلات عن خلل إداري أو نقص في الموارد أو سوء تنظيم. لكن حين تتكرر الممارسات وتنتج عنها آثار متشابهة، يصبح من الضروري فحصها، لا الاكتفاء بتبرير كل واقعة بمعزل عن الأخرى.

فقد لا يتنازل الإنسان عن حقه لأنه اقتنع بأنه لا يستحقه؛ بل لأنه أصبح يرى أن كلفة المطالبة به تفوق ما يستطيع احتماله.

 

> وهنا تكمن المفارقة قد يُفسَّر الصمت على أنه رضا، والتراجع على أنه اقتناع، والانسحاب على أنه اعتراف بصحة موقف الطرف الآخر، بينما قد تكون الحقيقة مختلفة تمامًا. فبعض المواقف الظاهرة لا تكشف وحدها ما استقر في داخل الإنسان؛ إذ قد يكون ما يبدو قبولًا نتيجة إنهاك، وما يبدو اقتناعًا محاولة للخروج بأقل الخسائر.

 

ومن هنا، فإن فهم الرأي العام لا يبدأ بمجرد سؤال الناس عما يعتقدونه، بل بمحاولة فهم الطريق الذي أوصلهم إلى اعتقاداتهم: ما المعلومات التي وصلت إليهم؟ ما المصادر التي يثقون بها؟ كيف تداخلت الأخبار مع تجاربهم المباشرة؟ وما الذي يجعل رواية ما أكثر إقناعًا من غيرها؟ ثم كيف أثرت تجاربهم المتكررة في استعدادهم للقبول أو الرفض، وللمطالبة أو الانسحاب؟

هذه أسئلة لا تجيب عنها الصور المتداولة أو ردود الفعل العابرة وحدها، بل تحتاج إلى استماع جاد، ومعلومات يمكن التحقق منها، وقراءة تراعي اختلاف الظروف والتجارب، وتُميّز بين القناعة الحقيقية والسلوك الذي قد تفرضه الضرورة.

 

وفي رؤية الجسر والمورد، لا ينبغي أن يتحول اختلاف التفسيرات إلى جدار يفصل بين الناس، بل يمكن أن يصبح مدخلًا لفهم المجتمع على نحو أعمق. فالأزمة، مهما اشتدت، تظل فرصة لبناء وعي يميز بين المعلومة والانطباع، وبين الرواية والواقعة، وبين الحق والمنحة، وبين الاقتناع والتراجع تحت الضغط.

إن القناعة لا تتشكل لحظة سماع الخبر وحدها؛ إنها حصيلة ما نفهمه منه، وما نقارنه به، وما تمنحنا تجاربنا أسبابًا لتصديقه أو مراجعته. ولهذا، فإن فهم المواطن لا يكتمل بمعرفة ما يقوله اليوم، بل بمحاولة فهم ما الذي أوصله إلى هذا الموقف، وما الذي قد يدفعه إلى التمسك به أو إعادة النظر فيه.

فإذا كانت التجارب قادرة على تشكيل القناعات، فكيف تستمر صورة معينة عن الواقع، حتى بعد أن تتغير الوقائع التي أسهمت في تشكيلها؟

ذلك سؤالنا القادم…

#أصل_القضية نعبر بالوعي.. ونبني بالأمل.

‫شاهد أيضًا‬

بوتين في القمة الأفريقية الروسية رؤية سياسية لنظام عالمي جديد 

  في خطاب افتتاح القمة الروسية الافريقية الذي القاه الرئيس الروسي فيلاديمير بوتين في …