‫الرئيسية‬ مقالات ظهور مولانا إلى واجهة المشهد.. خطاب يعيد ترتيب الأوراق ويضع الخصوم أمام أسئلة المرحلة
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

ظهور مولانا إلى واجهة المشهد.. خطاب يعيد ترتيب الأوراق ويضع الخصوم أمام أسئلة المرحلة

زاوية خاصة نايلة علي محمد الخليفة

لم يكن ظهور مولانا أحمد هارون ، رئيس حزب المؤتمر الوطني ، إطلالة سياسية حبًا في لفت الإنتباه ، ولا مجرد محاولة للدفاع عن تجربة الإنقاذ أو تبرير مواقف الحزب في ظل الحرب ، بل حمل في مضامينه رسائل سياسية تتجاوز حدود التصريحات المباشرة ، وتكشف عن محاولة لإعادة تقديم المؤتمر الوطني في معادلة سياسية تشكلت على وقع الحرب وتداعياتها.

 

أبرز ما في خطاب مولانا أنه حاول نقل النقاش من سؤال العلاقة بين المؤتمر الوطني والسلطة العسكرية إلى سؤال أوسع يتعلق بمستقبل الدولة السودانية ، فعندما يقول إن حزبه ليس حزباً حاكماً ، ولا تربطه بالبرهان علاقة تنظيمية أو عضوية ، فإنه يسعى إلى الفصل بين الموقف من قيادة الدولة والقوات المسلحة وبين الانتماء الحزبي ، مقدماً مساندة الجيش باعتبارها موقفاً وطنياً لا تحالفاً تنظيمياً.

 

وهنا تكمن إحدى أهم رسائل ظهوره ، كسر الصورة التي يحاول خصومه تثبيتها والترويج لها ، والقائلة إن العلاقة بين الإسلاميين والمؤسسة العسكرية هي علاقة سيطرة أو شراكة حزبية مغلقة ، لكنه في المقابل لا يقدم قطيعة سياسية مع السلطة القائمة ، بل يقر بأهمية وجود الجيش في معادلة الحكم ، ويدعو إلى عدم تشتيت القيادة خلال الحرب.

 

هذا التمايز بين الاستقلال التنظيمي والتقاطع في الموقف السياسي يضع خصومه أمام معضلة خطابية ، فمهاجمة هذا الموقف باعتباره مجرد اصطفاف حزبي تستلزم الإجابة عن سؤال أكثر تعقيداً، كيف يمكن الفصل بين مساندة القوات المسلحة في مواجهة الحرب وبين رفض عودة المؤتمر الوطني إلى المجال السياسي التي يصر عليها اصحاب الرصيد السياسي الصفري في كل منابرهم .

 

اتفقنا أو اختلفنا مع الإسلاميين ، فإن من الصعب إنكار أنهم يمثلون مدرسة سياسية ذات خبرة تراكمية راسخة في التنظيم والتخطيط وإدارة التحالفات وصناعة النفوذ ، وما يميز تجربتهم ليس مجرد امتلاكهم تنظيماً حزبياً رائدًا ، وإنما قدرتهم على التفكير خارج حدود اللحظة السياسية ، والتعامل مع السياسة باعتبارها مسارات طويلة تتداخل فيها المؤسسات والكوادر والامتدادات الاجتماعية ، وفي المقابل ، عانت الأحزاب الأخرى التي تشكل طرف الخصومة ، من ضعف البناء المؤسسي والانقسامات الداخلية وغياب التجديد القيادي والارتهان للمواقف الآنية ، والضغوط الخارجية لدرجة التبعية ، الأمر الذي جعلها في كثير من الأحيان تتعامل مع الأحداث بردود الأفعال بدلاً من استباقها أو صناعة مساراتها ، ولعل وصف الفارق بين الطرفين بمئات السنوات الضوئية يبدو منصفًا وواقعيًا ، يعكس تفاوتاً واضحاً في الخبرة التنظيمية والقدرة على التخطيط الاستراتيجي.

 

فالتفوق التنظيمي يعني تفوق الإسلاميين في إدارة الدولة و تحقيق التنمية و بناء التوافق الوطني ، فهذه ملفات تحكمها نتائج التجارب ومقدار ما قدمته للمواطن والدولة ، كما أن استدعاء تجربة الإنقاذ والدفاع عن منجزاتها في التعليم والكهرباء والطرق والنفط والصناعة لم يكن تفصيلاً لجرد الحساب فقط ، إنه محاولة لإعادة فتح ملف التقييم التاريخي لتلك التجربة ، ونقل المعركة من خانة الإدانة السياسية الشاملة إلى ساحة المقارنة بين ما تحقق وما أخفق فيه الإنقاذ ، وهي رسالة موجهة إلى خصومه الذين بنوا جانباً كبيراً من خطابهم السياسي على إقصاء تلك التجربة من أي نقاش موضوعي.

 

أما الرسالة الأكثر حساسية فتتعلق بما بعد للحرب ، فهارون لا يكتفي بالحديث عن ضرورة إنهاء الحرب ، بل يطرح تصوراً لدولة لا تتعدد فيها مراكز القرار ، ولا تُدار بسلطات غير خاضعة للمساءلة التشريعية ، مع ضرورة وجود الجيش ضمن معادلة الحكم عبر حوار وطني ، وهذا طرح يفتح أسئلة جوهرية حول طبيعة الانتقال المدني ، وحدود الدور العسكري ، وموقع القوى السياسية المختلفة في تأسيس الدولة الجديدة.

 

بالنسبة إلى خصوم المؤتمر الوطني ، فإن ظهور هارون يضعهم أمام تحديين ، الأول هو مواجهة خطاب سياسي بدأ يستعيد حضوره مستنداً إلى واقع الحرب وتغير أولويات قطاعات المجتمع ، والثاني هو تقديم مشروع سياسي مقنع يتجاوز الاكتفاء برفض عودة الإسلاميين ، ويجيب عن أسئلة الدولة والجيش والانتقال والمحاسبة والمستقبل.

 

الخلاصة أن أحمد هارون لم يظهر فقط للدفاع عن حزبه، وإنما لطرح نفسه طرفاً في معادلة ما بعد الحرب. وقد يختلف السودانيون حول رسائله ومواقفه ، لكن المؤكد أن التعامل مع هذا الظهور باعتباره ظهور اعلامي لن يكون كافياً لفهم التحولات التي يحاول استثمارها ، فالسياسة لا تُحسم بالصوت الأعلى في الميدان ، ولا بمجرد إقصاء الخصوم كما يحاول خصوم الوطني ، وإنما بالقدرة على التنظيم والتخطيط وتقديم مشروع يجيب عن أسئلة الحاضر ويضمن مستقبل الدولة وهذا ما يؤسس له المؤتمر الوطني… لنا عودة.

‫شاهد أيضًا‬

زراعة الاعمدة الخرصانية و(حصادنا الندم) !!

هل تصدقوا ان ولاية الخرطوم ولاية زراعية بامتياز، وان مجموع مساحة مشروعاتها الزراعية يفوق م…