‫الرئيسية‬ مقالات تألمنا، هل تعلمنا من الحرب
مقالات - ‫‫‫‏‫9 دقائق مضت‬

تألمنا، هل تعلمنا من الحرب

نقطة ارتكاز د. جادالله فضل المولي

خرجنا من ديارنا خروجاً ما خطر على بال، وأغلقنا الأبواب على عجل، وتركنا الصور معلقة على الجدران تنظر إلينا بحسرة، وتركنا الفراش دافئاً يذكرنا بأيام مضت، وتركنا الجيران الذين كنا نلقاهم كل صباح لقاء الأهل، فإذا بهم متفرقون في الشتات، نراسلهم برسالة قصيرة، ونطمئن عليهم بمكالمة خائفة، ونبكيهم بقلب مفطور لا يلتئم.

 

فقدنا من الأحبة من لا يعوض، أبناء كانوا نور البيوت، وإخواناً كانوا السند، وأصدقاء كانوا الضحكة، وجيراناً كانوا الستر، كانوا معنا بالأمس يضحكون ببراءة، فصاروا اليوم ذكرى لا تنمحي، وجرحاً لا يندمل، واسماً إذا مر على اللسان أوجع الروح وجعاً لا يوصف.

 

رأينا الخرطوم التي أحببناها، بحري التي عشقناها، امدرمان التي نشأنا فيها، وقد تبدلت ملامحها تبدلاً موجعاً، وتبدلت معها حياتنا كلها، فالسوق الذي كنا نتبضع فيه صار خاوياً، والمدرسة التي تعلمنا فيها صارت مهجورة، والمسجد الذي كنا نصلي فيه صار صامتاً، والبيت الذي كنا نأوي إليه صار بعيداً بعداً لا يحتمل.

 

وهنا يطرح السؤال نفسه طرحاً صادقاً، ويقرع القلب قرعاً حزيناً، هل استفدنا من هذا الوجع؟ هل استوعبنا الدرس استيعاباً حقيقياً، أم سنعود إلى ما كنا عليه، وكأن دماً لم يسل، وكأن داراً لم تهدم، وكأن قلباً لم ينكسر؟

 

كشفت لنا المحنة أن الوطن ليس أرضاً فحسب، بل أمان وكرامة وبيت يجمعنا جميعاً، وأن الدار الصغيرة التي كنا نتذمر منها، كانت نعمة لم ندرك قيمتها، وأن الجار الذي كنا نختلف معه في أمر يسير، كان كنزاً لم نحفظه، وأن الماء والكهرباء والدواء التي حسبناها أموراً عادية، كانت حياة كاملة نعيشها ولا نشعر بها.

 

أدركنا أن الخلاف السياسي مهما عظم، لا يستحق أن يكون ثمنه دماً، ولا دماراً، ولا تشريداً، وأن الكلمة الطيبة أجدى من ألف رصاصة، وأن الحوار الصادق أبقى من ألف معركة، وأن السودان يتسع للجميع، إذا اتسعت الصدور اتساعاً كريماً، وتركنا العصبية والكراهية تركاً نهائياً.

 

وفهمنا أن قوتنا في اجتماعنا وضعفنا في تفرقنا، وأن القبيلة وحدها لا تحمي، ولا المنطقة وحدها تحمي، ولا الحزب وحده يحمي، بل يحمينا وطن واحد، وشعب واحد، وقلب واحد، إذا اجتمعنا على حب السودان اجتماعاً صادقاً، وتمسكنا بوحدتنا تمسكاً لا يلين.

 

وعرفنا أن المغترب ليس بعيداً، بل قريب بقلبه، وأن السوداني في الخارج كان يرسل ويدعو ويبكي، ويتمنى العودة عودة كريمة، وأن السوداني في الداخل كان يصبر ويتحمل، ويتمنى البقاء بقاء آمناً، وأننا جميعاً أبناء وطن واحد، لا يفرقنا بعد، ولا يفرقنا خلاف.

 

ورأينا معدن الإنسان السوداني على حقيقته، ففي ذروة المحنة، كان الناس يتقاسمون اللقمة تقاسماً كريماً، وكان الجار يفتح بابه لجاره فتحاً صادقاً، وكانت المرأة تحمي جارتها حماية شريفة، وكان الشاب يحمل العجوز حملاً رحيماً، وكان الجميع يتسابقون في الخير، وهذا هو أصلنا، أصل الكرم والشهامة والنخوة.

 

فهل استوعبنا الدرس؟.نعم، سنتمسك بوطننا تمسكاً لا يلين، وسنبني ديارنا بناء أقوى، وسنربي أبناءنا على المحبة لا على البغضاء، وسنحفظ جيراننا حفظاً كاملاً، وسنعرف قيمة الأمان معرفة لا تنسى، وسنقول لكل من يريد تفريقنا، لن تفلح، لأننا ذقنا ما يكفي، ووعينا ما يكفي، ولن نعود إلى الوراء أبداً.

 

سنبني السودان بناء جديداً يليق بتضحياتنا ودموعنا ودمائنا، بناء قائماً على المحبة والوحدة والعدل والسلام، حتى لا يذوق أبناؤنا ما ذقناه، ولا يبكوا كما بكينا، وحتى يعيشوا في وطن آمن عزيز كريم.

 

ونختمها بقلب حزين، وبصوت خافت، وبدمعة صادقة، أن لا تعود هذه الأيام، لا تعود الحرب، ولا يعود النزوح، ولا يعود الفقد، ولا يعود الخوف، يكفينا ما رأينا، ويكفينا ما سمعنا، ونريد أن نعيش بقية عمرنا في أمان، نربي أولادنا في ديارنا، ونفتح أبوابنا لجيراننا، ونمشي في شوارعنا مطمئنين اطمئناناً كاملاً.

 

اللهم اجعلها آخر الأحزان، واجعل القادم سلاماً يعم البلاد والعباد.

meehad74@gmail.com

‫شاهد أيضًا‬

البلد محتاجة بتنادينا 

هذا البلد الطيب الذي اصابنه عين الحسود واطماع البغاة والعملاء يجتاج الي صحوة ونفبر قومي اب…