الغموض الاستراتيجي في حرب المسيّرات
نقطة إرتكاز د. جادالله فضل المولى

إن الحزن يملأ القلب حزناً ثقيلاً، والوجع يسكن النفس وجعاً عميقاً، ونحن نرى كيف تُدار حرب المسيّرات في بلادنا إدارةً مكشوفةً، وكيف يُكسر الغموض بأيدينا، وكيف نقدم لعدونا تقرير أداءٍ مجانياً، بينما دول العالم من حولنا تطبق أرقى فنون الحرب الحديثة تطبيقاً صارماً، وتدرك أن الصمت في هذا النوع من الحروب ليس تطبيلاً أو تغبيشاً ولا تغطيةً على فشلٍ، بل هو سلاحٌ دفاعيٌّ بامتيازٍ، وأن الغموض هو خط الدفاع الأول.
لاحظوا دول العالم من حولنا والبعيده أوكرانيا، روسيا وغيرها، يصدر البيان في سطرين ، تمت السيطرة والعمل جارٍ، لا زمن، لا إحداثية، لا عدد المسيرات، لا تفاصيل حجم الخسائر، لا لأنهم لا يعرفون أو يكذبون، بل لأنهم يطبقون أرقى فنون الحرب الحديثة، وهو الغموض الاستراتيجي، الغموض الذي يجعل العدو حائراً، لا يدري هل أصاب الهدف أم لا، ولا يدري هل تألم الخصم أم لا، ولا يدري هل دفاعه انهار أم تماسك، وطالما هو حائرٌ، لن يبني خطته القادمة على يقينٍ.
إن الغموض الاستراتيجي ليس كذباً، وإنما هو أن تجعل عدوك حائراً، هل أصبت الهدف أم لا، هل تألم الخصم أم لا، هل دفاعه انهار أم تماسك، فالحيرة في قلب العدو نصرٌ، واليقين في قلب العدو هزيمةٌ، والدول العاقلة تمارس ما يسمى في فلسفة الإعلام إدارة التصور وأمن العمليات، هي لا تكذب على شعبها، لكنها تحتكر الحقيقة التكتيكية وتترك العدو يسبح في غموضها، تترك العدو يسبح في بحرٍ من الظنون، لا يعرف أين أصاب، ولا يعرف أين أخطأ، ولا يعرف ماذا يفعل في ضربته القادمة.
أما نحن ربنا ابتلانا بمخبرين بمواقع التواصل ، فابتلينا بمن يكسر هذا الغموض بيديه، يصور موقع السقوط، ويحدد نوع السلاح، ويعد عدد الضربات، ويحصي حجم الخسائر، ويحلل وينتقد لماذا فشل الاعتراض، وينشر ذلك ابتغاء السبق والترند، وهو في الحقيقة يقدم تقرير أداءٍ بامتيازٍ للعدو دون أن يدري، هو تقييم أداءٍ مجانيٌّ لمن أطلق المسيرة، هو يظن أنه ينقل الحقيقة، وهو في الحقيقة ينقل لعدوه ما عجزت أقماره الصناعية عن رصده، يظن أنه صحفيٌ شجاعٌ، وهو في الحقيقة جنديٌ مجانيٌّ في صف العدو، دون أن يشعر.
في الحرب التقليدية الخسارة تظهر في دبابةٍ محترقةٍ، تظهر للعيان، ويراها الجميع، أما في حرب المسيّرات، فالخسارة لا تظهر إلا إذا تبرعنا نحن بإظهارها بكل تفاصيلها، نحن الذين نكشف سترنا بأيدينا، ونحن الذين نفضح دفاعنا بألسنتنا، ونحن الذين نعلم العدو أين أصاب، وأين أخطأ، وكيف يصوب في المرة القادمة تصويباً أدق، فأي حزنٍ أكبر من هذا الحزن، وأي وجعٍ أعمق من هذا الوجع، أن يكون عدونا يتعلم منا، ويستفيد منا، ويبني خطته علينا، ونحن نظن أننا ننتصر بالسبق الصحفي.
إن الصمت في هذا النوع من الحروب ليس تطبيلاً أو تغبيشاً، ولا تغطيةً على فشلٍ، الصمت هو سلاحٌ دفاعيٌّ بامتيازٍ، والغموض هو خط الدفاع الأول، ومن لم يستطع أن يسكت، فليقل الحمد لله على السلامة، وليترك الباقي لمن عمله أن يعرف ويحلل ويخطط، فالحروب في العصر الحديث تدار بالسرديات، تدار بالتصور، تدار بالغموض، لا تدار بالتفاصيل المجانية التي نقدمها للعدو على طبقٍ من ذهبٍ.
فيا أيها الإعلاميون، ويا أيها الناشطون، ويا أيها الباحثون عن الترند، اتقوا الله في وطنكم، واتقوا الله في جنودكم، واتقوا الله في دماء شهدائكم، فإن الكلمة في زمن الحرب ليست كلمةً عابرةً، بل هي رصاصةٌ، إما أن تصيب العدو، وإما أن تصيب الوطن، فاختاروا أن تكون كلمتكم رصاصةً في صدر العدو، لا رصاصةً في صدر الوطن، واعلموا أن الغموض الاستراتيجي ليس خوفاً، بل هو شجاعةٌ، وليس كذباً، بل هو حكمةٌ، وليس صمتاً، بل هو صراخٌ في وجه العدو بأنك حائرٌ، وأنك لن تعرف، وأنك لن تنتصر، مهما أطلقت من مسيراتٍ، ومهما حاولت من محاولاتٍ، فالسودان باقٍ، والجيش باقٍ، والشعب باقٍ، والنصر قادمٌ بإذن الله، وإن غداً لناظره قريبٌ.
meehad74@gmail.com
ملحمةالكرامة.. المواقف الوطنية والقيم الإنسانية
نعم أيها الأحباب.. للكرامة سجل ماثور وكتاب مدخور.. ولسفرها قصص مجيدة.. وحكايات عجاب..ففي س…





