‫الرئيسية‬ مقالات شيخ السني.. بلسم المكابراب ونبع الجود الندي
مقالات - ‫‫‫‏‫20 دقيقة مضت‬

شيخ السني.. بلسم المكابراب ونبع الجود الندي

بقلم / عبد الكريم ابراهيم

ما كلُّ من سكن الديارَ استوطن القلوب ، ولا كلُّ من امتلك المالَ ملك أسباب المودة ؛ فثمّة رجالٌ يجعلون من حضورهم أُنساً ، ومن عطائهم أمناً ، ومن مواقفهم سيرةً لا تطويها الأيام ، رجالٌ إذا أجدبت النفوس كانوا غيثها ، وإذا أظلمت الدروب كانوا مصابيحها ، وإذا ضاقت الأحوال اتسعت صدورهم للناس ، ومن هؤلاء الرجال عمّنا الكريم الهميم ، الفاضل الشيخ محمد أحمد السني ، الذي لم يكن الكرم عنده عطاءً عابراً ، بل سجيةً متأصلة ، ولم تكن المروءة لديه مظهراً يُتكلّف ، بل خُلُقاً يُمارس ويُرى في تفاصيل الحياة ومواقفها.

ولعل أجمل ما في سيرة هذا الرجل أن جذوره ضاربة في أكثر من دوحة طيبة ؛ تمتد إلى منطقة مدني السني بوسط الجزيرة ، وتتشابك مع أصالة مسيكتاب شندي وعراقتها ، بينما امتدت أغصان عطائه الوارفة إلى المكابراب بالدامر ، في ولاية نهر النيل ، فحمل من تلك الجذور طيب المنبت ، ومن تلك الديار أصالة المعدن ، ثم غرس في المكابراب بذور المحبة والإحسان ، حتى غدت سيرته فيها أوسع من مقامه ، وأثره أبقى من أيامه ، وكأنما شاءت الأقدار أن تجتمع في هذا الرجل طيبة الأصل وطيبة الفعل ، ليكون حيثما حلّ عنواناً للكرم ، وحيثما امتدّ أثره موطناً للخير ،

وليس من السهل أن تتحول المعرفة العابرة إلى مودة راسخة ، ثم إلى ذكريات تستقر في الوجدان ، غير أن بعض اللقاءات تختصر المسافات ، وبعض الرجال يختصرون الطريق إلى القلوب ، وكانت بداية معرفتنا بالشيخ السني من موقف عفوي جمعه بولدنا ابن اخي هاشم يس في حافلة قادمة من بحري إلى الدامر ، لقاءٌ لم نكن نعلم حينها أنه سيكون فاتحةً لعلاقة طيبة ، وبدايةً لزيارات متكررة إلى مزرعته العامرة بالمكابراب ، حيث عرفنا الرجل عن قرب ، واكتشفنا أن وراء الاسم سيرةً ، ووراء الكرم منظومةً من القيم ، ووراء المكان قلوباً مفتوحة لا تعرف الإغلاق ،

ثم جاءت رحلة النزوح الشهيرة في يوليو 2023 ، في أعقاب الحرب البغيضة التي شردت الآمنين ، وبدّدت استقرار الأسر ، ودفعت الناس إلى مغادرة ديارهم بحثاً عن مأمن ومأوى ، وفي تلك المحنة التي اختلط فيها الخوف بالرجاء ، والعناء بالأمل ، قصدنا المكابراب بصحبة أسرتنا الكريمة ، وكانت مزرعة الشيخ السني واحدة من محطاتنا ملاذاً نلوذ به ، ومقصداً نبحث فيه عن الأهل والأنس والأمان ، وهناك لم تعد المعرفة مجرد لقاء في حافلة أو زيارة عابرة ، بل أصبحت أخوة ومواقف ، واختباراً حقيقياً لمعادن الرجال ؛ فبان لنا أن بعض الناس لا تعرف قدرهم تماماً إلا حين تضيق بك الدنيا ، وأن الكرم لا يُختبر في أوقات السعة بقدر ما تتجلى حقيقته في أوقات الشدة ،

لقد وجدنا في ذلك المكان ما هو أبعد من المأوى ؛ وجدنا رحابة الصدر ، ودفء الاستقبال ، وحسن المعشر ، وكرم الضيافة ، فالبيوت مفتوحة ، والقلوب أوسع من البيوت ، والضيف لا يشعر أنه غريب ، بل كأنه عاد إلى أهله بعد طول غياب ، وهكذا كانت المكابراب بالنسبة إلينا محطةً للسكينة بعد رحلة القلق ، وواحةً للطمأنينة بعد صحراء الاضطراب ،

ولم تكن هذه الخصال وليدة ظرف النزوح ، ولا استجابةً لموقف طارئ ، بل هي امتداد لسيرة عرفها أهل المنطقة وعابرو السبيل منذ سنوات ، فقد ظل الشيخ السني يستقبلك بإبتسامته العريضة ووجه الصبوح و بتحيته المعروفة التي اتخذتها نغمة للموبايل ( حبابو .. حبابو ..حبابببووو ) ظل حاضراً بأعماله الخيرية وكرمه الفياض ، حتى غدا اسمه مرتبطاً بالمروءة والإحسان ، وصارت مزرعته ملتقى للناس ، ومقصداً للضيوف ، وموئلاً لكل من احتاج إلى عون أو استراحة أو كلمة طيبة.

ولقد عرفناه فارساً يمتطي صهوة الصبر كلما هبت عواصف الابتلاء ؛ فمن حادث «الوابور» الشهير إلى طوفان السيول التي اجتاحت المزارع وأغرقت الأراضي وجرفت محصول البصل ، لم تزده المحن إلا ثباتاً ، ولم تكسر النوازل عزيمته ، فما بين خسارةٍ يعقبها إصرار ، وابتلاءٍ يتلوه احتساب ، كانت الأيدي تعود إلى الأرض ، والسواعد تستأنف البناء ، وكأنما كان يردد بلسان الحال أن الأرض قد تجف ، ولكن العزائم لا تجف، وأن السيول قد تجرف الزرع ، لكنها لا تجرف الأمل ، فهكذا هم أصحاب الهمم ؛ إذا تعثرت خطاهم لم تتعثر عزائمهم ، وإذا أغلقت أمامهم أبواب فتحت بالصبر أبواب أخرى.

ومن أظهر شواهد هذا العطاء تلك الراكوبة الخيرية الواقعة على الطريق القومي (شندي – الدامر – عطبرة)، قبالة المكابراب ، التي ظلت لأكثر من عشرة أعوام محطةً لإفطار الصائمين وإكرام عابري السبيل ، لم تكن مجرد راكوبة تقي المسافر وهج الشمس ، أو مظلةً يستظل بها عابر الطريق ، بل كانت مظلةً للرحمة قبل أن تكون مظلةً للظل ، وموئلاً للضيافة قبل أن تكون مكاناً للاستراحة ، فيها يجد الصائم إفطاره ، والمسافر زاده ، والغريب أنسه ، والمحتاج عوناً دون سؤال أو منّ.

وكان الإفطار الجماعي فيها مشهداً متجدداً من مشاهد التكافل ؛ تُعد الموائد ، وتُجهز المآكل والمشارب ، وتنتظم الجهود من الصباح حتى يحين الأذان ، ليجد القادمون ما يسر الخاطر ويعين على مواصلة الطريق ، وما أجمل أن يكون للإنسان نصيب من دعوة صائم ، أو ابتسامة مسافر ، أو راحة غريب ؛ فبعض الأعمال تنتهي بانتهاء يومها ، وبعضها يمتد أثره في القلوب أعواماً ، وهذه الراكوبة من الصنف الثاني.

وحين داهم الحريق تلك المنشأة الخدمية ، وأتى على ما فيها من تجهيزات ومقتنيات ، من ثلاجات وغسالات وهواتف وصحن كرم اصيل و عتيق وغيرها ، كان الحدث مؤلماً بما خلّفه من خسائر ، غير أن الموقف كشف عن معدن الرجال ، فلم يكن هناك صخب ولا جزع ، ولم يتحول البلاء إلى خصومة أو انفعال ، بل قوبل الأمر بحكمة وصبر وسعة صدر ، وهنا تتجلى حقيقة الكرم ؛ فهو ليس في إطعام الناس وحده ، وإنما في احتمال الأذى ، وامتصاص الصدمة ، وحفظ الود عند الشدائد.

وإذا كان الشيخ السني هو أصل الغرس وصاحب القدوة ، فإن اسرته الكريمة وخاصة زوجته الكريمة الحاجة فوزية بنت العقاد وبصفة اخص ابنهم الأكبر بدوي واخوته مجيب (قنبلة) ، اواب ومصعب هم أيضا شركاء في ما يقوم به شيخ السني ، كل اولاده تفرغوا لخدمة مشروع شيخ السني.. وبناته كواكب واخواتها وامهم خلف الاضواء كانوا يطبخون و يعدون الطعام و الشاي و القهوة و يغسلون ثياب الضيوف .. يمثلون امتداداً مشرقاً لهذه المدرسة الأصيلة المتفردة ؛ فحقاً هذا الشبل من ذاك الأسد ، لقد اكتسبوا من والدهم حسن الخصال ، طيب المعشر ، حلو الكلام ، وحب الناس ، والحرص على خدمتهم ، وأضاف الأبن الأكبر بدوي إلى كل ذلك همةً عمليةً وحضوراً لافتاً في إدارة التفاصيل وتدبير الشؤون ، فهو رأس الرمح والدينمو المحرك لكثير من الأعمال ، والشخص الذي تلجأ إليه الأسرة والضيوف عند تعقد المواقف ، لما يتمتع به من مرونة وهدوء وحكمة في التصرف.

وقد وصفه أحد الذين عاشوا معه تلك التجربة بأنه الشخصية التي تقود الأمور نحو الأمان والحل ، لا بالصوت العالي ولا بالانفعال ، بل بالحكمة والاتزان ، وتلك شهادة صادقة تكشف أن القيادة ليست ضجيجاً يُسمع ، وإنما أثرٌ يُرى ، وليست كثرة أوامر ، بل حسن تدبير. فقد كان بدوي حاضراً في المواقف الصعبة ، متقدماً حين يتراجع الآخرون ، هادئاً حين يضطرب غيره ، حازماً دون قسوة ، وليناً دون ضعف.

ولعل حادثة احتراق الراكوبة كانت من أبرز المواقف التي أظهرت هذه الخصلة ؛ فقد تعامل معها بعقل حاضر ونفس مطمئنة ، وكأنما كان يقول إن ما فُقد يمكن تعويضه ، أما ما ينبغي الحفاظ عليه فهو تماسك الناس واستمرار رسالة الخير ، ولم يكن هذا الموقف استثناءً في حياته ، بل هو امتداد لطريقته في التعامل مع مختلف الظروف.

فبدوي لا ينتظر أن يُطلب منه العون دائماً ، ولا يقف عند حدود اختصاصه ؛ فهو الذي يسارع إلى مساعدة صاحب العربة المتعطلة بالقرب من المزرعة ، فيعمل على جرها إلى مكان آمن ، أو إيصالها إلى موضع الصيانة ، أو توفير مكان للمبيت لأصحابها إذا اقتضى الأمر ، سواء كان العطل فنياً أو بسبب نفاد الوقود أو غير ذلك من طوارئ الطريق تماما كما يفعل والده شيخ السني ، وهو ذاته الذي تجده في أعمال الكهرباء والسباكة والزراعة والإصلاح ، يباشر بيده ما يحتاج إلى مباشرة ، ويستعين بخبرته حيث تنفع الخبرة ، بل إن بعض من عرفوه لا تزال لديهم وصلات وأسلاك كهربائية وفرها لهم في مواقف سابقة ، لتبقى تلك الأشياء الصغيرة شواهد حية على أن المعروف لا يُقاس بحجمه ، وإنما بأثره.

ومن أبلغ صور المروءة أن بيوت الأسرة لم تكن مغلقة على أصحابها ، بل كانت مفتوحة للضيوف ، حتى إن بعضها كان يُترك للقادمين والزائرين ، ولو كان أصحابها في حاجة إليها أو حتى كانوا عرسانا ، وكأنما كانت فلسفة الأسرة أن البيت الذي لا يستقبل ضيفاً يفقد شيئاً من روحه ، وأن الدار لا تكتمل برفاهية أهلها ، بل بما تمنحه لغيرهم من أمان وراحة ، وهكذا لم يكن الضيف عابراً في المكان ، بل كان واحداً من أهله ، يجد التقدير والرعاية وحسن الوفادة.

وامتدت هذه الروح إلى الضيوف المقيمين والوافدين من خارج المنطقة ، ولا سيما أهل المسجد والخلوة ، فكانوا يجدون الرعاية والاهتمام ، وتظل صلات المودة قائمة بينهم وبين الأسرة حتى عندما ذهبا لبورتسودان كمحطة اخرى عند نزوحنا التقيت اطفالا في احدى مساجدها قابلوني بسلام الأحضان سألتهم نحن اين التقينا ؟ فقالوا لي في مزرعة السني … فيالها من لقيا ، كما كان بدوي قريباً من الصغار ، حاضراً عند الحاجة ، يستجيب لنداء والدة حكيم وسلمى أخوته الصغار ، ويعالج ما يستجد بهدوء وأبوة ورف وينصت ويستجيب لطلبهم وترندهم الشهير ( يابا انا داير ادور الوابور عديلة؟) ، فالرجل الذي يحمل الأعباء الكبيرة لا ينسى التفاصيل الصغيرة ، وصاحب الهمة العالية لا يستصغر حاجة طفل أو طلب ضيف.

ولقد تحولت مزرعة الشيخ السني ، بما فيها من مرافق ومنبر مرتفع ، إلى نقطة ارتكاز للتواصل الاجتماعي وتبادل الأخبار وتقديم الخدمات ، فلم تعد المزرعة مجرد أرض للزراعة والإنتاج ، بل غدت أرضاً تنبت فيها الصلات الطيبة ، وتثمر فيها المودة ، وتلتقي عندها الوجوه والقلوب ، ومن خلال تلك اللقاءات تشكلت ذكريات لا تُنسى مع أهل المكابراب وأولاد العوض ، ومنهم محمد وعلي ود سعيد أبو آمنة حامد كما يحلو لنا مناداتهم وقتها ، ومع سليمان وغيرهم من الأحباب ، إلى جانب هاشم يسن ، وسائر من جمعتهم الأيام الطيبة في ذلك المكان ، كيف لا فقد كانت وسائل الأتصال حاضرة افكارها نيرة حتى في مجال الشبكات فقد صنع لنا دلوا نضع فيه موبايلاتنا ونرفعه عاليا بجانب (بمبري) الخاص الذي سمي بأسمي الذي كنت اجلس عليه في مكان مرتفع كي استقبل النت وقت انقطاعه .

كما بقيت ذكريات رمضان والصلوات والتراويح والتهجد والقيام من أطيب ما تختزنه الذاكرة ؛ حيث كان صوت التلاوة يضفي على المكان سكينةً وجمالاً ، وتلتقي العبادة بالضيافة ، ويتجاور الذكر مع إطعام الطعام. وكان الإفطار الجماعي مناسبةً تتضافر فيها الأيدي ، ويتشارك فيها الكبير والصغير ، ويتولى بدوي متابعة تفاصيل الإعداد والتنظيم ، من المأكل والمشرب إلى ترتيب المكان واستقبال الصائمين حتى لحظة الأذان.

وقد كان نصيبه كبيرا من المسؤوليات خاصة في الاجتماع الشهير التي جرى فيها توزيع الأدوار ، لأنه من الرجال الذين يُعرفون عند الشدائد ، ويُعتمد عليهم عند ثقل الأمانة ، فهو لا يطلب نصيب الأسد من الأضواء ، وإنما يحمل نصيب الأسد من المسؤوليات ؛ وتلك مفارقة جميلة تلخص الفرق بين من يبحث عن الظهور ومن ينهض بالواجب.

ولم تقف مسيرة التطوير عند الراكوبة الأولى ، بل شهد المكان إضافة رواكيب جديدة وحمامات وتجهيزات أخرى ، لتتسع دائرة الخدمة وتتحسن ظروف الضيافة. وحتى التفاصيل التي قد تبدو صغيرة ، مثل برج الحمام والوعود المرتبطة بإنجازه قبل بعض المناسبات ، ظلت جزءاً من ذاكرة المكان الطريفة والجميلة ؛ فهي تكشف عن روح العمل المشترك ، وعن تلك التفاصيل التي تجعل الحياة في المكابراب أكثر ألفةً وخصوصية.

إن الحديث عن الشيخ محمد أحمد السني لا يكتمل دون تحية أسرته الكريمة التي شاركته هذه المسيرة ، وفي مقدمتها ابنه الأكبر بدوي ، الذي حمل من شمائل والده الكثير ، فكان امتداداً للغرس الطيب ، وبرهاناً على أن القيم الأصيلة لا تورث بالأنساب وحدها ، بل تُغرس بالتربية والقدوة والممارسة ، فتحية للوالدة العزيزة الحاجة فوزية ، وللبنات والأبناء، و صولا لسلمى وحكيم ، ولكل أفراد الأسرة الذين كانوا جزءاً من هذه المسيرة المباركة ، كما نبعث بتحياتنا إلى ضيوف المسجد والخلوة ، وإلى الشيخ المعز والدكتور كودي ، وإلى كل من شارك في تلك الأيام الطيبة وترك فيها أثراً جميلاً.

إن ما يميز هذه التجربة أنها لم تكن عطاءً عابراً ولا كرماً للمناسبات ، بل كانت نهجاً متصلاً، يجمع بين القول والفعل ، وبين النية والعمل ، وبين سعة اليد وسعة الصدر ، فالشيخ السني لم يجعل من المال غايةً ، بل وسيلةً للخير ، ولم يجعل من المكان حدوداً خاصة ، بل فضاءً للناس ، ولم ينتظر أن يُذكر اسمه في المجالس ، وإنما ترك للأعمال أن تتحدث عنه ، أما بدوي ، فقد جسّد ذلك الموروث في الحضور اليومي والمبادرة وحسن التدبير ، فكان مع اخوته بحق صورةً من أبيهم ، وامتداداً لنهجه ، وشاهداً على أن الشبل حين ينشأ في كنف الأسد يحمل من طباعه ومآثره الكثير.

وإن النفوس الكبيرة لا تُقاس بما تجمعه من مال ، وإنما بما تتركه من أثر ، ولا تُعرف قيمتها بطول العمر وحده ، بل بطول بقاء الذكر الحسن في قلوب الناس ، وسيظل اسم الشيخ محمد أحمد السني حاضراً في ذاكرة أهل المكابراب ومسيكتاب ومدني وشندي والدامر ، وفي وجدان كل مسافر وجد عند الراكوبة إفطاراً ، وكل غريب وجد بيتاً مفتوحاً ، وكل صاحب عربة تعطلت فوجد يداً تمتد إليه ، وكل نازح وجد في المزرعة مأوىً وأماناً وطيب استقبال وكل مريض استعان به خاصة في مجال العلاج بالأعشاب و الحجامة التي يجيدها ببراعة وكنت شخصيا قد استعنت به عند كسر اصبعى بقدمي في حادث وقع لي بشندي في وقت مضى فقد صنع لي جبيرة من سعف شجر النخيل والدوم كانت بلسما ووقاية شافية بعد ان تعذر وجودها بالصيدليات .

فيا عمنا الشيخ محمد أحمد السني ، يا بلسم المكابراب ونبع جودها الندي ، لقد جعلت من الكرم سيرة ، ومن المروءة مسيرة ، ومن خدمة الناس رسالةً تتجاوز حدود المكان والزمان ، ويا بدوي ، يا ابن الأصول وامتداد الفروع ، حملت من والدك طيب الغرس ، وزدت عليه بحسن التدبير وجميل الصنع ؛ فهنيئاً لأبٍ أثمر هذا الشبل ، وهنيئاً لابنٍ كان لأبيه خير امتداد.

نسأل الله أن يبارك في أعماركم وأهلكم وأعمالكم ، وأن يجزيكم عن الضيوف وعابري السبيل والنازحين والمحتاجين خير الجزاء ، وأن يجعل ما قدمتموه من طعام وإيواء وإغاثة وإصلاح وخدمة للناس في موازين حسناتكم ، وأن يعوضكم خيراً عما فقدتم ، وأن يديم عليكم نعمة الصحة والعافية والقبول.

سلامٌ عليكم بما صبرتم ، وسلامٌ على المكابراب التي احتضنت هذه المآثر ، وسلامٌ على كل يد امتدت بالخير ، وكل قلب اتسع للناس ، وكل دار فُتحت للضيف ، وكل أثر طيب بقي في النفوس بعد انقضاء الأيام.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

‫شاهد أيضًا‬

مجلس الأمن الدولي واللا أمن

الباب الخامس والأخير من سلسلة: المسيرات القادمة من إثيوبيا   بسم الله الرحمن الرحيم &…