المسكوت عنه حرب الجنجويد وتأثيراتها على المجتمع السوداني (النازحون بين كرمٍ غاب واستغلالٍ حضر) بِقَلَمِ: عَبَّاس الخِدِيوِي

كان الكرم في السودان أشبه بالنخلة الباسقة؛ تضرب بجذورها في أعماق الأرض، وتلقي بظلها وثمرها لكل عابر ومحتاج. كان الناس يتباهون بفتح بيوتهم للضيف قبل القريب، وتُروى في المجالس قصص الجدود عن موائد عامرة وأبواب لا تُغلق في وجه غريب. غير أنّ الحرب الأخيرة كشفت وجهاً آخر للواقع؛ إذ حين خرج النازحون مثخنين بالجراح من ديارهم، لم يجدوا حضن الكرم كما قيل لهم، بل اصطدموا بجدار قاسٍ من الاستغلال والأنانية.
🔹مأوى يُساوم عليه النازح:
المأوى هو أول ما يطلبه الإنسان بعد الهرب من نيران الحرب. لكن النازحين اكتشفوا أنّ السقف الذي يحلمون به صار سلعة نادرة في سوق الطمع. ارتفعت الإيجارات إلى مستويات خيالية، وبعض الملاك طلبوا مبالغ ضخمة بالدولار أو دفعات مقدّمة لا قبل لأحد بها. يطرق النازح الأبواب فيُقابَل بالمساومة والابتزاز، وكأن غربته فرصة لإثقال كاهله. أي جرح أعمق من أن يتحول البيت من ملاذ آمن إلى صفقة مربحة؟
🔹غذاء يوزَّع بالانتقاء:
المساعدات الإنسانية التي كان يُفترض أن تبلسم الجراح، تحولت إلى غنيمة في يد بعض اللجان والوسطاء. تُدرج أسماء مقابل “رسوم خفية”، وتُباع حصص الطعام في الأسواق بدلاً من أن تصل إلى أفواه الجوعى. إحدى الأمهات النازحات قالت بمرارة: “وقفت ساعات في الطابور، ثم عدت خالية اليدين لأنني لم أدفع ما يطلبونه”. وهكذا انقلبت الإغاثة من رمز للنجدة إلى أداة جديدة للقهر.
🔹عرق يُشترى بثمن بخس :
لم يتوقف الاستغلال عند المأوى والغذاء، بل امتد إلى الجهد والعرق. النازح الذي فقد عمله وأرضه صار يقبل بأي فرصة، مهما كانت مُرهِقة أو زهيدة الأجر. بعض أصحاب الأعمال شغّلوا النازحين بلا عقود، وبأجور أدنى من الحد الأدنى، بل أحياناً لم يدفعوا لهم شيئاً. فإذا اعترضوا، قيل لهم: “هناك عشرون غيركم ينتظرون”. هكذا غدا العرق سلعة رخيصة، والإنسان مجرد رقم يُستبدل بآخر.
🔹انكسار الروح قبل الجسد:
أشد ما يوجع النازح ليس الجوع ولا التشريد، بل الإحساس بالخذلان. يُعامل أحياناً كضيف ثقيل أو عبء غير مرغوب فيه. يسمع كلمات جارحة، أو يرى نظرات تذكّره بأنه دخيل. قالت أم نازحة: “كنت أردد دوماً أن بلادي بلاد الكرم، فإذا بي أستجدي مأوى وكسرة خبز.” ذلك الانكسار لم يكن في الجسد وحده، بل في الروح، حين اكتشف الإنسان أن القيم التي تربى عليها لم تقف إلى جانبه في محنته.
🔹بين صورة الأمس وواقع اليوم:
التناقض صارخ بين صورة السوداني الذي يفاخر بالكرم والنخوة، وبين واقع الاستغلال الذي عايشه النازح. الكرم الذي كان يروى في الأمثال والأغاني، غاب حين جاء امتحان الحقيقة. وما زال النازح شاهداً على هذه المفارقة المريرة: كرم يُحكى في الليل، واستغلال يُعاش في النهار.
🔹استعادة الوجه المشرق:
إن استغلال النازحين لا يسرق أموالهم فحسب، بل يسرق صورة أمة عُرفت بالعطاء. الطريق لاستعادة الشرف لا يكون بكثرة الأحاديث عن الكرم، بل بأفعال صادقة: أن يجد النازح سقفاً يأويه بلا ابتزاز، وغذاءً يصل إليه بلا واسطة، وعملاً يحفظ له كرامته لا يسرق جهده. عندها فقط يستعيد السودان وجهه المضيء، ويبرهن أن الكرم لم يكن أسطورة للتفاخر، بل روحاً حيّة تُعاش وتُترجم في ساعة الحاجة.
وزير الموارد البشرية والرعاية الإجتماعية يصل إلى جنيف مترأسا” وفد السودان في اجتماعات منظمة العمل الدولية
وصل الى جنيف عصر اليوم معالي وزير الموارد البشرية والرعاية الإجتماعية الأستاذ معتصم أحمد ص…





