‫الرئيسية‬ مقالات ( مناهج القراي في السودان: دراسة تحليلية فكرية وفنية وتربوية شاملة)  إعداد : أ. عباس محمد عباس إبراهيم
مقالات - أكتوبر 9, 2025

( مناهج القراي في السودان: دراسة تحليلية فكرية وفنية وتربوية شاملة)  إعداد : أ. عباس محمد عباس إبراهيم

✦ التمهيد:

يُعَدّ تطوير المناهج التعليمية من أهمّ مداخل النهضة التربوية في أيّ أمة، لما له من أثرٍ مباشر على تشكيل هوية الأجيال القادمة وبناء وعيها المعرفي والقيمي.

وفي السودان، مثّلت تجربة ما عُرف بـ«مناهج القراي» واحدة من أكثر المحاولات إثارة للجدل في التاريخ التربوي الحديث، إذ انقسم حولها الرأي العام بين مؤيدٍ يرى فيها مسعى للتجديد والانفتاح، ومعارضٍ اعتبرها تهديداً مباشراً للثوابت الدينية والهوية الثقافية.

تهدف هذه الدراسة إلى تقديم قراءة تحليلية متكاملة لمناهج القراي من أبعادها الفكرية والفنية والإدارية والتربوية، مع إبراز آثارها التعليمية والاجتماعية، وبيان المخاطر التي نتجت عنها أو يُخشى أن تترتب عليها، ثم اقتراح رؤية إصلاحية توازن بين الأصالة والمعاصرة.

 

✦ المقدمة:

شهدت الساحة التعليمية في السودان موجةً من الجدل المكثف عقب طرح ما عُرف بـ«مناهج القراي»، نسبةً إلى الدكتور عمر أحمد القراي الذي تولّى إدارة المركز القومي للمناهج والبحث التربوي في المرحلة الانتقالية.

وقد مثّل هذا المشروع ـ رغم قِصر مدته ـ منعطفاً حادّاً في مسار التعليم السوداني، حيث انقسم الناس بين من عدّه خطوةً نحو التنوير والتحديث، ومن رأى فيه خروجاً على ثوابت الدين والمجتمع.

وانطلاقاً من مسؤولية البحث والتحليل، تأتي هذه الدراسة لتفكيك أبعاد تلك المناهج من زوايا فكرية وفنية وتربوية وإدارية، مع بيان نتائجها وآثارها ومخاطرها المستقبلية.

 

✦المحور الأول: التعديلات المثيرة للجدل:

 

1. إدراج لوحة “خلق آدم” لمايكل أنجلو في كتاب التاريخ للصف السادس:

 

أثار هذا الإدراج اعتراضاً دينياً واسعاً لتجسيده الذات الإلهية في مشهد فني، مما عُدّ مساساً بالعقيدة الإسلامية ومنافياً لمقاصد التربية الدينية، بينما رأى المؤيدون أنه تناول فنيّ لتاريخ الفن الأوروبي.

غير أن غياب الضوابط الشرعية والتربوية جعل هذا التضمين خروجاً عن الإطار الأخلاقي للمناهج التعليمية.

 

2. حذف أو تعديل بعض المواد الدينية:

 

شمل ذلك اقتباسات من كتب معتبرة في الفقه والفكر الإسلامي، مما أحدث اضطراباً في الرؤية الفكرية والتربوية، وأظهر غياب مرجعية واضحة للمناهج.

 

3. تقليص حجم المواد الدراسية:

جرى اختزال المواد تحت شعار «المنهج الرشيق»، لكن هذا التقليص جاء على حساب المواد الأساسية كاللغة العربية والتربية الإسلامية، مما أضعف البناء اللغوي والديني للطلاب.

 

4. إدراج محتوى سياسي مباشر حول ثورة ديسمبر:

تضمّنت المناهج إشارات إلى رموز الثورة وشعاراتها، دون ضوابط مهنية أو تربوية، ما عُدّ تسييساً مباشراً للمحتوى المدرسي.

 

5. التركيز على قيم الثورة (الحرية، السلام، العدالة):

عُرضت هذه القيم بمعزل عن الإطار الشرعي، ففقدت بعدها الأخلاقي والديني الذي يشكّل جوهرها في المنظور الإسلامي.

 

6. تجميد طباعة بعض الكتب وتأجيل التنفيذ :

أدّى إلى فوضى إدارية داخل المدارس، وارتباك في تطبيق المقررات، مما أثر سلباً على استقرار العام الدراسي.

 

✦المحور الثاني: التحليل الفكري

 

1. منهج عقلاني تحليلي على حساب المرجعية العقدية:

ركّزت المناهج على التفكير النقدي المجرد دون ضبط ديني، مما أضعف مكانة النص الشرعي كمصدر معرفي وتربوي.

 

2. دمج مفاهيم المواطنة وحقوق الإنسان بمعزل عن العقيدة:

أحدث هذا الفصل بين الدين والمدنية فجوة فكرية لدى الطلاب، وأنتج ازدواجية قيمية لا تستند إلى أصول ثابتة.

 

3. إضعاف تعليم اللغة العربية والتربية الإسلامية:

أدى ذلك إلى تراجع المهارات اللغوية وفهم النصوص القرآنية، وأضعف التواصل مع التراث الثقافي والديني للأمة.

 

4. نزعة فكرية حداثية متأثرة بالتصورات الغربية:

تجلّت في تمجيد الحرية الفردية المطلقة والعقلانية المجرّدة، وهو ما يتعارض مع القيم الإسلامية القائمة على التوازن بين العقل والوحي.

 

✦ المحور الثالث: التحليل الفني والإداري

 

1. ضعف التنسيق الفني والمؤسسي:

أُنجزت المناهج دون استشارة واسعة للهيئات التربوية والشرعية، فظهرت أخطاء لغوية وطباعية ومضمونية فادحة.

 

2. التسرّع في التنفيذ دون تجريب ميداني :

لم تخضع المناهج لتجربة تجريبية في مدارس نموذجية، مما جعل التطبيق العام محفوفاً بالعقبات العملية.

 

3. سوء التوقيت في الطباعة والتوزيع:

ترتب على ذلك ارتباك في العام الدراسي وتأخر في تسليم الكتب، وأثر في التخطيط التربوي العام.

 

✦ المحور الرابع: تغييب المركز القومي للمناهج وإقصاء الكفاءات:

 

أحد أبرز مظاهر الخلل في التجربة هو تهميش المركز القومي للمناهج والبحث التربوي، وهو الجهة القانونية المسؤولة عن التخطيط والإشراف على المناهج.

اتُّخذت قرارات كبرى بمعزل عن المختصين، وتم فصل عدد كبير من الكفاءات الأكاديمية والفنية والإدارية ذات الخبرة الطويلة، ما أفرز نقصاً حاداً في الكادر الفني والإداري بالمركز.

أضعف ذلك من البنية المؤسسية للعمل التربوي، وحوّل التطوير من جهد وطني جماعي إلى اجتهاد فردي محكوم بالانتماء السياسي والفكري، مما أفقد المشروع مصداقيته العلمية.

 

✦المحور الخامس: تقليص العبء التدريسي وآثاره السالبة:

 

– بيان التقليص:

 

✦التربية الإسلامية:

من 5 حصص إلى 3 في الصفوف الأولى، و4 في بقية الصفوف.

 

✦اللغة العربية:

من 8 حصص و7 إلى 5.

 

✦ اللغة الإنجليزية:

من 5 حصص في الصفوف الدنيا إلى 3، ومن 7حصص إلى 5 في الصفوف العليا.

 

✦الرياضيات:

من 7 حصص و6 إلى 5.

 

✦ العلوم:

من 4 حصص إلى 2.

 

✦ التاريخ:

من 3 حصص إلى 2.

 

✦الجغرافيا:

من 3 حصص إلى 2.

 

✦الآثار السالبة:

 

1. انخفاض زمن التعلم الفعلي مما قلّل من فرص الفهم العميق والمراجعة.

 

2. تراجع مواد الهوية كالعربية والإسلامية، فاختل التوازن القيمي والمعرفي للطالب.

 

3. ضعف التفكير العلمي والتحليل الرياضي بسبب تقليص حصص العلوم والرياضيات.

 

4. تسارع الشرح وقلة الأنشطة الصفية مما أضعف جودة العملية التعليمية.

 

5. انخفاض مستوى التقويم التحصيلي لاعتماد الامتحانات السطحية السريعة.

 

6. إجهاد المعلمين إذ اضطروا لتغطية المنهج في وقت أقل، على حساب الجودة والعمق.

 

✦المحور السادس: الأخطاء الطباعية والعلمية واللغوية:

 

1. أخطاء لغوية ونحوية بارزة في كتب اللغة والتاريخ والعلوم أضعفت ثقة الطلاب في المادة العلمية.

 

2. أخطاء علمية ومعلومات مغلوطة أثّرت على مصداقية المنهج ومخرجاته.

 

3. غياب الأنشطة التطبيقية في المواد العلمية واللغوية مما أفقد التعلم طابعه العملي.

 

✦ المحور السابع: التقييم الشرعي والتربوي:

 

1. تهميش مواد العقيدة والقرآن مما أضعف الجانب الروحي والتربوي في شخصية المتعلم.

 

2. إدراج مفاهيم تتعارض مع الشريعة في بعض الدروس، خصوصاً ما يمسّ القيم والأخلاق.

 

3. غياب الرقابة الشرعية والفنية الدورية على المحتوى أثناء الإعداد والطباعة.

 

4. تراجع الانتماء الديني والثقافي نتيجة تقليص مواد الهوية الأساسية.

 

✦ المحور الثامن: المخاطر التعليمية والاجتماعية المحتملة:

 

1. تفكك الهوية الثقافية والدينية بسبب ضعف التربية الإسلامية واللغة العربية.

 

2. انهيار المستوى الأكاديمي العام نتيجة نقص الحصص وتراجع المهارات الأساسية.

 

3. تزايد الفجوة بين المدرسة والمجتمع حين يفقد التعليم مرجعيته الدينية والأخلاقية.

 

4. تسييس التعليم من خلال تضمين مضامين أيديولوجية في المناهج الدراسية.

 

5. اهتزاز الثقة في المؤسسات التعليمية بسبب الأخطاء والفوضى الإدارية.

 

6. اضطراب الانتماء الوطني والديني لدى الطلاب نتيجة غياب التوازن القيمي.

 

7. إنتاج جيل ضعيف التفكير العلمي يعجز عن المنافسة في ميادين البحث والإبداع.

 

✦ المحور التاسع: التوصيات الإصلاحية:

 

1. إعادة الاعتبار لمواد الهوية الدينية واللغوية.

 

2. تشكيل لجنة وطنية دائمة تضم علماء الشريعة وخبراء التربية.

 

3. اعتماد مبدأ التجريب المرحلي قبل التطبيق العام.

 

4. ضبط عملية تطوير المناهج ضمن إطار شرعي وثقافي وطني.

 

5. تدريب المعلمين على ربط القيم الإسلامية بمهارات التفكير الناقد.

 

6. مراجعة المناهج دورياً وتقييمها وفق معايير الجودة التربوية.

 

7. إعادة بناء المركز القومي للمناهج وتعزيز استقلاله وكفاءته.

 

✦ الخاتمة:

 

أثبتت تجربة مناهج القراي أن أي تحديث تعليمي يفتقد المرجعية الشرعية والعلمية الرصينة يتحول إلى مشروع مضاد لهوية الأمة.

لقد أفرزت تلك التجربة اختلالاً تربوياً خطيراً تمثّل في إضعاف اللغة العربية والتربية الإسلامية، تقليص الساعات التعليمية، إقصاء الكفاءات، وخلل الإدارة المؤسسية، مما أدى إلى اهتزاز ثقة المجتمع في التعليم الرسمي.

إن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الاعتراف بخصوصية المجتمع السوداني الدينية والثقافية، ثم العمل على تطوير المناهج في ضوء تلك الخصوصية، مع الانفتاح المنضبط على الفكر الإنساني الحديث.

فالتعليم لا يُصلَح بالشعارات أو التجريب غير المدروس، بل بالعلم والخبرة والمؤسسية والموازنة بين الأصالة والمعاصرة.

 

✍🏻 إعداد: الأستاذ عباس محمد عباس إبراهيم

باحث في قضايا التعليم والمناهج التربوية

‫شاهد أيضًا‬

أغوار وأسرار الشخصية السودانية (2-10)

لقد تطرق كثير من الباحثين والمثقفين إلى الحديث عن الشخصية السودانية وتعريفها، وقد ذهب كثير…