‫الرئيسية‬ مقالات ما وراء البحار  بقلم: عباس حمدون  “عرّابون ثقافة تعدد الزوجات وكثرة الإنجاب، وتأثيراتها الاجتماعية والاقتصادية [حفيد العالم الرابع]”
مقالات - أكتوبر 10, 2025

ما وراء البحار  بقلم: عباس حمدون  “عرّابون ثقافة تعدد الزوجات وكثرة الإنجاب، وتأثيراتها الاجتماعية والاقتصادية [حفيد العالم الرابع]”

١٠-١٠-٢٠٢٥

في مجتمعات كثيرة من دول العالم النامي، ما زال التمسك ببعض العادات والتقاليد يُمارس كما لو كان طوق نجاة، بينما هو في الواقع قيدٌ يشدّها إلى قاع الفقر.

تُمارس بعض من المجتمعات الزواج المتعدد بلا ضرورة، وإنجاب الأبناء بطريقة مفرطة بلا تخطيط، تحت مظلة شعارات عامة مثل: [العيال الله بربيهم – الشرع حلّل أربعة].

لكن خلف هذه الشعارات، تتوارى مأساة إنسانية واقتصادية تتكفل بها الأسرة أولاً، ثم المجتمع والدولة لاحقاً.

 

ففي الطبقات الفقيرة، يُصبح الإنجاب المتكرر معياراً للرجولة أو الامتداد، لا مسؤولية تُقاس بقدرة المعيشة. وكلما نظرت إلى الشعوب الفقيرة وجدت الأسر تتكاثر بينما الموارد تتناقص، والأبناء يغرقون في بحر من الحاجة والمعاناة، لأن دخل الأسرة لا يكفي إعالة فرد واحد وفق معايير الحياة الطبيعية.

أما في المقابل، فحين تنظر إلى الشعوب المتقدمة ترى القلّة من الأبناء، لكنهم يعيشون في رفاه واستقرار يفوق المعدل الطبيعي، لأن الإنجاب لديهم قرارٌ واعٍ، لا فعل غريزي أو موروث اجتماعي.

 

ولعلّ المأساة تتجلى في قصة الموظف الذي ظلّ يعمل في مؤسسته منذ شبابه، ثم وجد نفسه أباً لخمسة عشر طفلاً وراتبه لا يكفي نصف نفقاتهم. وعندما طلب من مديره زيادة راتبه وعُجز عن ذلك، غلبه اليأس فانتحر. المجتمع تعاطف معه، ولعنوا المدير، لكنهم لم يسألوا السؤال الأهم: من المسؤول عن هذا المصير منذ البداية؟

هكذا تُسدل ستائر التراجيديا اليومية في بيوت كثيرة، بين رجلٍ هارب من عبء أسرته، وامرأةٍ منهكة تصارع الفقر وحدها، وأطفالٍ يتساقطون في الشوارع كأوراق الخريف. وحين يكبرون بلا تعليم أو سند، يتحولون إلى عبء جديد على المجتمع، لتكتمل بذلك دورة الفقر، وتترسخ ملامح “العالم الرابع”: جرائم، اضطراب سياسي، وانهيار اقتصادي.

 

أما تعدد الزوجات في بعض المجتمعات الإفريقية والفقيرة، فقد تحوّل من رخصة شرعية مشروطة إلى رمز اجتماعي زائف. يُنظر إلى من يتزوج أكثر من امرأة كأنه [مكمل الشريعة]، ويُعطى مكانة اجتماعية لا يستحقها، لا لعدله أو حكمته، بل لقدرته على التعدد.

وفي أحيان كثيرة، يلجأ بعض الرجال إلى الزواج الثاني أو الثالث بعد خلاف مع الأولى، ظناً منه أن في التعدد حلاً، فإذا به يواجه المشكلة نفسها بألوان مختلفة، حتى يجد نفسه أمام أربع زوجات وأربع قضايا في المحاكم الشرعية، وأربعة بيوت تئن تحت عبء الفوضى، والخصومة بين أربعة عائلات في معارك باردة.

بل إن بعض النساء بدأن يغرين الرجال بالمال من أجل الزواج، فتحولت المسألة من علاقة إنسانية إلى صفقة اجتماعية مغطاة بسرّية تامة، خوفاً من الفضيحة أو من الزوجة الأولى. وهنا يظهر الخلل الأخطر وهو انحدار القيم تحت غطاء العادات.

 

وسط هذه الفوضى، يظلّ الفقر هو العامل المشترك، يدور وجوداً وعدماً حول كل تلك الممارسات.

فهو السبب والنتيجة، وهو الغطاء الذي يُخفي تحت ظله كل خلل اقتصادي أو اجتماعي.

وكلما حاول المجتمع تبرير العجز باسم الدين أو التقاليد، ازداد تورطاً في مأزقٍ صنعه بيديه.

إنّ الإسلام لم يجعل التعدد ولا الإنجاب المفرط غاية، بل مسؤولية مقيدة بالقدرة والعدل والتدبير. غير أن عرّابي هذه الثقافة حوّلوا المفهوم الشرعي إلى سلاح يُبرّر الغريزة والعادات والتقاليد، فصار الدين مظلوماً باسم الدين نفسه.

 

في نهاية المطاف، لا يمكن لمجتمعٍ أن ينهض بعقول تؤمن بأن الكثرة تحميها من الفقر، بينما الحقيقة أن الوعي وحده هو الثروة الحقيقية.

فكل طفلٍ يُولد بلا تخطيط، وكل زواجٍ يُعقد بلا مسؤولية، يُضيف حجراً جديداً إلى جدار العالم الرابع الذي نبنيه بأيدينا.

‫شاهد أيضًا‬

السحر والشعوذة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله الأمين وعلي اله وصحبه اجمعين. اما بعد …